ابن أبي العز الحنفي

514

شرح العقيدة الطحاوية

غيره ، والظالم : الذي يعتدي على غيره . وأكثرهم إنما يظلمون مع علمهم بأنهم يظلمون ، كما قال تعالى : وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ آل عمران : 19 . وإلا فلو سلكوا ما علموه من العدل ، أقرّ بعضهم بعضا ، كالمقلدين لأئمة العلم ، الذين يعرفون من أنفسهم أنهم عاجزون عن معرفة حكم اللّه ورسوله في تلك المسائل ، فجعلوا أئمتهم نوابا عن الرسول ، وقالوا : هذا غاية ما قدرنا عليه ، فالعادل منهم لا يظلم الآخر ، ولا يعتدي عليه بقول ولا فعل ، مثل أن يدعي أن قول مقلّده هو الصحيح بلا حجة يبديها ، ويذم من خالفه ، مع أنه معذور . ثم إن أنواع الافتراق والاختلاف في الأصل قسمان : اختلاف تنوع ، واختلاف تضاد . واختلاف التنوع على وجوه : منه ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقّا مشروعا ، كما في القراءات التي اختلف فيها الصحابة رضي اللّه عنهم ، حتى زجرهم النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، وقال : « كلاكما محسن » « 795 » ، ومثله اختلاف الأنواع في صفة الأذان ، والإقامة ، والاستفتاح ، ومحل سجود السهو ، والتشهد ، وصلاة الخوف ، وتكبيرات العيد ، ونحو ذلك ، مما قد شرع جميعه ، وإن كان بعض أنواعه أرجح أو أفضل . ثم تجد لكثير من الأمة في ذلك من الاختلاف ما أوجب اقتتال طوائف منهم على شفع الإقامة وإيتارها ونحو ذلك ! وهذا عين المحرم . وكذا تجد كثيرا منهم في قلبه من الهوى لأحد هذه الأنواع ، والإعراض عن الآخر والنهي عنه - : ما دخل به فيما نهى عنه النبي صلى اللّه عليه وسلّم . ومنه ما يكون كل من القولين هو في المعنى القول الآخر ، لكن العبارتان مختلفتان ، كما قد يختلف كثير من الناس في ألفاظ الحدود ، وصيغ الأدلة ، والتعبير عن المسميات ، ونحو ذلك . ثم الجهل أو الظلم يحمل على حمد إحدى المقالتين وذمّ الأخرى والاعتداء على قائلها ! ونحو ذلك .

--> ( 795 ) البخاري من حديث عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه .