ابن أبي العز الحنفي

515

شرح العقيدة الطحاوية

وأما اختلاف التضادّ ، فهو القولان المتنافيان ، إما في الأصول ، وإمّا في الفروع ، عند الجمهور الذين يقولون : المصيب واحد . والخطب في هذا أشد ، لأن القولين يتنافيان ، لكن نجد كثيرا من هؤلاء قد يكون القول الباطل الذي مع منازعه فيه حقّ ما ، أو معه دليل يقتضي حقّا ما ، فيردّ الحق مع الباطل ، حتى يبقى هذا مبطلا في البعض ، كما كان الأول مبطلا في الأصل ، وهذا يجري كثيرا لأهل السنة . وأما أهل البدعة ، فالأمر فيهم ظاهر . ومن جعل اللّه له هداية ونورا رأى من هذا ما تبين له منفعة ما جاء في الكتاب والسنة من النهي عن هذا وأشباهه ، وإن كانت القلوب الصحيحة تنكر هذا ، لكن نور على نور . والاختلاف الأول ، الذي هو اختلاف التنوع ، الذمّ فيه واقع على من بغى على الآخر فيه . وقد دلّ القرآن على حمد كل واحدة من الطائفتين في مثل ذلك ، إذا لم يحصل بغي ، كما في قوله تعالى : ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ الحشر : 5 . وقد كانوا اختلفوا في قطع الأشجار ، فقطع قوم ، وترك آخرون . وكما في قوله تعالى : وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ ، إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ . فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ ، وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً الأنبياء : 78 - 79 ، فخص سليمان بالفهم وأثنى عليهما بالحكم والعلم . وكما في إقرار النبي صلى اللّه عليه وسلّم يوم بني قريظة لمن صلى العصر في وقتها ، ولمن أخّرها إلى أن وصل إلى بني قريظة « 796 » . وكما في قوله : « إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر » « 797 » . والاختلاف الثاني ، هو ما حمد فيه إحدى الطائفتين ، وذمّت الأخرى ، كما في قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ ، وَلكِنِ اخْتَلَفُوا ، فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ البقرة : 253 . وقوله تعالى :

--> ( 796 ) البخاري ومسلّم عن ابن عمر . ( 797 ) البخاري ومسلّم وأحمد وغيرهم عن حديث أبي هريرة وعمرو بن العاص .