ابن أبي العز الحنفي

510

شرح العقيدة الطحاوية

وأما الذين ذكرهم العلماء بخير من عقلاء المجانين ، فأولئك كان فيهم خير ، ثم زالت عقولهم . ومن علامة هؤلاء ، أنه إذا حصل في جنونهم نوع من الصّحو ، تكلموا بما كان في قلوبهم من الإيمان . ويهتدون بذلك في حال زوال عقلهم . بخلاف من كان قبل جنونه كافرا أو فاسقا ، لم يكن حدوث جنونه مزيلا لما ثبت من كفره أو فسقه . وكذلك من جنّ من المؤمنين المتقين ، يكون محشورا مع المؤمنين المتقين . وزوال العقل بجنون أو غيره ، [ سواء ] سمي صاحبه مولعا أو متولها لا يوجب مزيد حال ، [ بل ] حال صاحبه من الإيمان والتقوى يبقى على ما كان عليه من خير وشر ، لا أنه يزيده أو ينقصه ، ولكن جنونه يحرمه الزيادة من الخير ، كما أنه يمنع عقوبته على الشر ، ولا يمحو عنه ما كان عليه قبله . وما يحصل لبعضهم عند سماع الأنغام المطربة ، من الهذيان ، والتكلم لبعض اللغات المخالفة للسانه المعروف منه ! ! فذلك شيطان يتكلم على لسانه ، كما يتكلم على لسان المصروع ، وذلك كله من الأحوال الشيطانية ! وكيف يكون زوال العقل سببا أو شرطا أو تقربا إلى ولاية اللّه ، كما يظنه كثير من أهل الضلال ؟ ! حتى قال قائلهم : هم معشر حلوا النظام وخرقوا ال * سياج فلا فرض لديهم ولا نفل مجانين ، إلا أن سرّ جنونهم * عزيز على أبوابه يسجد العقل وهذا كلام ضال ، بل كافر ، يظن أن [ في ] الجنون سرّا يسجد العقل على بابه ! ! لما رآه من بعض المجانين من نوع مكاشفة ، أو تصرف عجيب خارق للعادة ، ويكون ذلك سبب ما اقترن به من الشياطين ، كما يكون للسحرة والكهان ! فيظن هذا الضال أن كل من خبل أو خرق عادة « 787 » كان وليّا للّه ! ! ومن اعتقد هذا فهو كافر ، فقد قال تعالى : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ . تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ الشعراء : 221 - 222 . فكل من تنزل عليه الشياطين لا بد أن يكون عنده كذب وفجور .

--> ( 787 ) في الأصل : كاشف أو خرق العادة .