ابن أبي العز الحنفي
511
شرح العقيدة الطحاوية
وأما الذين يتعبدون بالرياضات والخلوات ، ويتركون الجمع والجماعات ، فهم الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، قد طبع اللّه على قلوبهم . كما قد ثبت في « الصحيح » عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من ترك ثلاث جمع تهاونا من غير عذر ، طبع اللّه على قلبه » « 788 » . وكل من عدل عن اتباع سنة الرسول ، إن كان عالما بها فهو مغضوب عليه ، وإلا فهو ضال . ولهذا شرع اللّه لنا أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعم عليهم ، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا ، غير المغضوب عليهم ولا الضالين . وأما من يتعلق بقصة موسى مع الخضر عليه السلام ، في تجويز الاستغناء عن الوحي بالعلم اللدني ، الذي يدعيه بعض من عدم التوفيق - : فهو ملحد زنديق . فإن موسى عليه السلام لم يكن مبعوثا إلى الخضر ، ولم يكن الخضر مأمورا بمتابعته . ولهذا قال له : أنت موسى بني إسرائيل ؟ قال : نعم « 789 » . ومحمد صلى اللّه عليه وسلّم مبعوث إلى جميع الثقلين ، ولو كان موسى وعيسى حيّين « 790 » لكانا من أتباعه ، وإذا نزل عيسى عليه السلام إلى الأرض ، إنما يحكم بشريعة محمد ، فمن ادعى أنه مع محمد صلى اللّه عليه وسلّم كالخضر مع موسى ، أو جوّز ذلك لأحد من الأمة - : فليجدد إسلامه ، وليشهد شهادة الحق ، فإنه مفارق لدين الإسلام بالكلية ، فضلا عن أن يكون من أولياء اللّه ، وإنما هو من أولياء الشيطان . وهذا الموضع مفرق بين زنادقة القوم وأهل
--> ( 788 ) صحيح ، لكنه لم يروه أحد من أهل « الصحيح » والمراد به البخاري أو مسلّم ، خلافا لما أفاده الشارح وانما رواه أبو داود والنسائي وأحمد وغيرهم وصححه الحاكم على شرط مسلم ، فوهم . وسنده حسن ، وله شواهد في « الترغيب » وغيره . ( 789 ) هو قطعة من حديث الخضر مع موسى عليهما السلام ، رواه البخاري في مواضع من « صحيحه » منها « الأنبياء » . ( 790 ) كذا الأصل ، وكأنه يشير إلى الحديث الذي ذكره شيخه ابن كثير في تفسير سورة ( الكهف ) بلفظ : « لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي » . وهو حديث محفوظ ، دون ذكر عيسى فيه ، فإنه منكر عندي لم أره في شيء من طرقه ، وهي مخرجة في « الإرواء » ( 1589 ) .