ابن أبي العز الحنفي

509

شرح العقيدة الطحاوية

نسبته إليه ، فإن الجنة إنما خلقت لأولي الألباب ، الذين أرشدتهم عقولهم وألبابهم إلى الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . وقد ذكر اللّه أهل الجنة بأوصافهم في كتابه ، فلم يذكر في أوصافهم البله ، الذي هو ضعف العقل ، وإنما قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء » « 786 » . ولم يقل البله ! والطائفة الملاميّة ، وهم الذين يفعلون ما يلامون عليه ، ويقولون نحن متبعون في الباطن ، ويقصدون إخفاء المرائين ! ردوا باطلهم بباطل آخر ! ! والصراط المستقيم بين ذلك . وكذلك الذين يصعقون عند سماع الأنغام الحسنة ، مبتدعون ضالون ! وليس للإنسان أن يستدعي ما يكون سبب زوال عقله ! ولم يكن في الصحابة والتابعين من يفعل ذلك ، ولو عند سماع القرآن ، بل كانوا كما وصفهم اللّه تعالى : إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ، وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً ، وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الأنفال : 2 . وكما قال تعالى : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ ، تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ، ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ، ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ الزمر : 23 .

--> - وزاد : « وأعلى عليين لأولي الألباب » . رواه عبد الوهاب الكلابي في « حديثه » ( ق 176 / 2 ) بسنده عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن أبيه . وعبد العزيز صدوق يخطئ كما في « التقريب » وفيه من لم أجد من ترجمه . وفي هذه الرواية رد على من قال إن هذه الزيادة لم يوجد لها أصل وأنها مدرجة من كلام أحمد بن أبي الحواري ، فإن أحمد هذا ليس له ذكر في هذه الرواية . وانما أطلت الكلام على هذا الحديث لأني رأيت الشيخ أحمد شاكر رحمه اللّه علق عليه بقوله : « ومجموع ما قيل فيه : انه لا أصل له » ! ولا أعلم أحدا من العلماء أطلق هذا القول على الحديث ، وانما قال ذلك بعضهم في الزيادة المذكورة كما تقدم وإذا كان مردودا فيها ، فرده عن أصل الحديث أولى وأخرى ، ولا يجوز في اصطلاح المحدثين أن يقال في حديث له سند واحد أو أكثر ولو كان ضعيفا : لا أصل له . فليعلم ذلك . ( 786 ) أخرجه مسلّم من حديث ابن عباس ، والبخاري عن عمران ، وهما مخرجان في « الضعيفة » ( 2800 ) تحت حديث آخر وقع فيه زيادة منكرة .