ابن أبي العز الحنفي

365

شرح العقيدة الطحاوية

قوله : فَمِنْ نَفْسِكَ ؟ النساء : 79 ، قيل : قوله : كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ : الخصب والجدب ، والنصر والهزيمة ، [ كلها من عند اللّه ] ، وقوله : فَمِنْ نَفْسِكَ : أي ما أصابك من سيئة من اللّه فبذنب نفسك عقوبة لك ، كما قال تعالى : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ الشورى : 30 . يدل على ذلك ما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنه : أنه قرأ : وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ النساء : 79 ، أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ . والمراد بالحسنة هنا النعمة ، وبالسيئة البلية ، في أصح الأقوال . وقد قيل : الحسنة الطاعة ، والسيئة المعصية . [ و ] قيل : الحسنة ما أصابه يوم بدر ، والسيئة ما أصابه يوم أحد . والقول الأول شامل لمعنى القول الثالث . والمعنى الثاني ليس مرادا دون الأول قطعا ، ولكن لا منافاة بين أن تكون سيئة العمل وسيئة الجزاء من نفسه « 467 » ، مع أن الجميع مقدر ، فإن المعصية الثانية قد تكون عقوبة الأولى ، فتكون من سيئات الجزاء ، مع أنها من سيئات العمل ، والحسنة الثانية قد تكون من ثواب الأولى ، كما دل على ذلك الكتاب والسنة . وليس للقدرية أن يحتجوا بقوله تعالى : « فَمِنْ نَفْسِكَ » ، فإنهم يقولون : إن فعل العبد - حسنة كان أو سيئة - فهو منه لا من اللّه ! والقرآن قد فرق بينهما ، وهم لا يفرقون ، ولأنه قال تعالى : كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، فجعل الحسنات من عند اللّه ، كما جعل السيئات من عند اللّه ، وهم لا يقولون بذلك في الأعمال ، بل في الجزاء . وقوله بعد هذا : « ما أصابك من حسنة » و « من سيئة » ، [ مثل قوله : « وإن تصبهم حسنة » و « إن تصبهم سيئة » ] . وفرق سبحانه وتعالى بين الحسنات التي هي النعم ، وبين السيئات التي هي المصائب ، فجعل هذه من اللّه ، وهذه من نفس الإنسان ، لأن الحسنة مضافة إلى اللّه ، إذ هو أحسن بها من كل وجه ، فما من وجه من أوجهها إلا وهو يقتضي الإضافة إليه ، وأما السيئة ، فهو إنما يخلقها لحكمة ، وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه ، فإن الرب لا يفعل سيئة قط ، بل فعله كله حسن وخير . ولهذا كان النبي صلى اللّه عليه وسلّم يقول في الاستفتاح : « والخير كله بيديك ، والشر ليس

--> ( 467 ) قال عفيفي : انظر ص 314 من كتاب « الايمان » .