ابن أبي العز الحنفي

366

شرح العقيدة الطحاوية

إليك » . أي : فإنك لا تخلق شرّا محضا ، بل كل ما يخلقه ففيه حكمة ، هو باعتبارها خير ، ولكن قد يكون فيه شرّ لبعض الناس ، فهذا شرّ جزئي إضافي ، فأما شر كليّ ، أو شر مطلق - : فالرب سبحانه وتعالى منزه عنه . وهذا هو الشر الذي ليس إليه ، ولهذا لا يضاف الشر إليه مفردا قط ، بل إما أن يدخل في عموم المخلوقات ، كقوله تعالى : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ الرعد : 18 ، كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ النساء : 78 ، وإما أن يضاف إلى السبب ، كقوله : مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ الفلق : 2 ، وإما أن يحذف فاعله ، كقول الجن : وَأَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً الجن : 10 ، وليس إذا خلق ما يتأذّى به بعض الحيوان لا يكون فيه حكمة ، بل للّه من الرحمة والحكمة لا يقدّر قدره إلا اللّه تعالى ، وليس إذا وقع في المخلوقات ما هو شر جزئي بالإضافة - يكون شرّا كليّا [ عامّا ] ، بل الأمور العامة الكلية لا تكون إلا خيرا أو مصلحة للعباد ، كالمطر العام ، وكإرسال رسول عام . وهذا مما يقتضي أنه لا يجوز أن يؤيد كذابا عليه بالمعجزات التي أيّد بها الصادقين ، فإن هذا شرّ عام للناس ، يضلهم ، فيفسد عليهم دينهم ودنياهم وأخر لهم . وليس هذا كالملك الظالم [ والعدو ، فإن الملك الظالم ] لا بد أن يدفع اللّه به من الشر أكثر من ظلمه ، وقد قيل : ستون سنة بإمام ظالم خير من ليلة واحدة بلا إمام ، وإذا قدّر كثرة ظلمه ، فذاك خير في الدين ، كالمصائب ، تكون كفارة لذنوبهم ، ويثابون على الصبر عليه ، ويرجعون فيه إلى اللّه ، ويستغفرونه ويتوبون إليه ، وكذلك ما يسلط عليهم من العدو . ولهذا قد يمكن اللّه كثيرا من الملوك الظالمين مدة ، وأما المتنبئون الكذابون فلا يطيل تمكينهم ، بل لا بد أن يهلكهم ، لأن فسادهم عامّ في الدين والدنيا والآخرة ، قال تعالى : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ . لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ الحاقة : 44 - 46 . وفي قوله : « فمن نفسك » - من الفوائد : أن العبد لا يطمئن إلى نفسه ولا يسكن إليها ، فإن الشر كامن فيها ، لا يجيء إلا منها ، ولا يشتغل بملام الناس ولا ذمهم إذا أساءوا إليه ، فإن ذلك من السيئات التي أصابته ، وهي إنما أصابته بذنوبه ، فيرجع إلى الذنوب ، ويستعيذ باللّه من شر نفسه وسيئات عمله ، ويسأل اللّه أن يعينه على طاعته . فبذلك يحصل له كل خير ، ويندفع عنه كل شر .