ابن أبي العز الحنفي

352

شرح العقيدة الطحاوية

يستثنى من السلف في إيمانه ، وهو فاسد ، فإن اللّه تعالى قال : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ آل عمران : 31 ، فأخبر أنهم يحبهم إن اتبعوا الرسول ، فاتباع الرسول شرط المحبة ، والمشروط يتأخر عن الشرط ، وغير ذلك من الأدلة . ثم صار إلى هذا القول طائفة غلوا فيه ، حتى صار الرجل منهم يستثني في الأعمال الصالحة ، يقول : صليت إن شاء اللّه ! ونحو ذلك ، يعني القبول . ثم صار كثير منهم يستثنون في كل شيء ، فيقول أحدهم : هذا ثوب إن شاء اللّه ! هذا حبل إن شاء اللّه ! فإذا قيل لهم : هذا لا شك فيه ؟ يقولون : نعم ، لكن إذا شاء اللّه أن يغيره غيره ! ! المأخذ الثاني : أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر اللّه به عبده كله ، وترك ما نهاه عنه كله ، فإذا قال الرجل : أنا مؤمن ، بهذا الاعتبار - : فقد شهد لنفسه أنه من الأبرار المتقين ، القائمين بجميع ما أمروا به ، وترك كل ما نهوا عنه ، فيكون من أولياء اللّه المقربين ! وهذا مع تزكية الإنسان لنفسه ، ولو كانت هذه الشهادة صحيحة ، لكان ينبغي أن يشهد لنفسه بالجنة إن مات على هذه الحال . وهذا مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون ، وإن جوّزوا ترك الاستثناء ، بمعنى آخر ، كما سنذكره إن شاء اللّه تعالى . ويحتجون أيضا بجواز الاستثناء فيما لا شك فيه ، كما قال تعالى : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ الفتح : 27 . وقال صلى اللّه عليه وسلّم حين وقف على القابر : « وإنا إن شاء اللّه بكم لاحقون » « 437 » . وقال أيضا : « إني لأرجو أن أكون أخشاكم للّه » « 438 » . ونظائر هذا . وأما من يحرمه ، فكل من جعل الإيمان شيئا واحدا ، فيقول : أنا أعلم أني مؤمن ، كما أعلم أني تكلمت بالشهادتين ، فقولي : أنا مؤمن ، كقولي : أنا مسلم ، فمن استثنى في إيمانه فهو شاك فيه ، وسموا الذين يستثنون في إيمانهم الشكّاكة . وأجابوا عن الاستثناء الذي في قوله تعالى : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ الفتح : 27 - بأنه يعود إلى الأمن والخوف ، فأما الدخول فلا شك

--> ( 437 ) اخرجه مسلم من حديث عائشة رضي اللّه عنها انظر « احكام الجنائز وبدعها » ( ص 189 ) . ( 438 ) اخرجه مسلم ، والبخاري نحوه .