ابن أبي العز الحنفي
353
شرح العقيدة الطحاوية
فيه ! وقيل : لتدخلن جميعكم أو بعضكم ، لأنه علم أن بعضهم يموت ! وفي كلا الجوابين نظر : فإنهم وقعوا فيما فروا منه ، فأما الأمن والخوف فقد أخبر أنهم يدخلون آمنين ، مع علمه بذلك ، فلا شك في الدخول ، ولا في الأمن ، ولا في دخول الجميع أو البعض ، فإن اللّه قد علم من يدخل فلا شك فيه أيضا ، فكان قول : إن شاء اللّه هنا تحقيقا للدخول ، كما يقول الرجل فيما عزم على شيء أن يفعله لا محالة : واللّه لأفعلنّ كذا إن شاء اللّه ، لا يقولها لشكّ في إرادته وعزمه ، ولكن إنما لا يحنث الحالف في مثل هذه اليمين لأنه لا يجزم بحصول مراده . وأجيب بجواب آخر لا بأس به ، وهو : أنه قال [ ذلك ] تعليما لنا كيف نستثني إذا أخبرنا عن مستقبل « 439 » . وفي كون هذا المعنى مرادا من النص - نظر فإنه ما سيق الكلام إلا أن يكون مرادا من إشارة النص . وأجاب الزمخشري بجوابين آخرين باطلين ، وهما : أن يكون الملك قد قاله ، فأثبت قرآنا ! أو أن الرسول قاله ! ! [ فعند هذا المسكين يكون من القرآن ما هو غير كلام اللّه ! فيدخل في وعيد من قال : إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ المدثر : 25 . نسأل اللّه العافية . وأما من يجوز الاستثناء وتركه ، فهم أسعد بالدليل من الفريقين ، وخير الأمور أوسطها : فإن أراد المستثنى الشك في أصل إيمانه منه من الاستثناء ، وهذا مما [ لا خلاف فيه . وإن أراد أنه مؤمن من المؤمنين الذين وصفهم اللّه في قوله : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ . أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ، لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ الأنفال : 2 - 4 ، وفي قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ الحجرات : 15 . فالاستثناء حينئذ جائز . وكذلك من استثنى وأراد عدم علمه بالعاقبة ، وكذلك من استثنى تعليقا للأمر بمشيئة اللّه ، لا شكّا في إيمانه . وهذا القول في القوة كما ترى .
--> ( 439 ) قال عفيفي : انظر ص 429 - 460 من « مجموع الفتاوى » والصفحة 336 - 393 من كتاب « الايمان » طبع المكتب الاسلامي .