ابن أبي العز الحنفي
341
شرح العقيدة الطحاوية
وما أعجب ما أجاب به أبو المعين النسفي وغيره ، عن استدلالتهم بحديث شعب الإيمان المذكور ، وهو : أن الراوي قال : بضع وستون أو بضع وسبعون ، فقد شهد الراوي بفعله نفسه حيث شك فقال : بضع وستون أو بضع وسبعون ، ولا يظن برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم الشك في ذلك ! وأن هذا الحديث مخالف للكتاب . فطعن فيه بغفلة الراوي ومخالفته الكتاب . فانظر إلى هذا الطعن ما أعجبه ! فإن تردد الراوي بين الستين والسبعين لا يلزم منه عدم ضبطه ، مع أن البخاري رحمه اللّه إنما رواه : بضع وستون من غير شك . « 412 » . وأما الطعن بمخالفة الكتاب ، فأين في الكتاب ما يدل على خلافه ؟ ! وإنما فيه ما يدل على وفاقه ، وإنما هذا الطعن من ثمرة شؤم التقليد والتعصب . وقالوا أيضا : وهنا أصل آخر ، وهو : أن القول قسمان : قول القلب وهو الاعتقاد ، وقول اللسان وهو التكلم بكلمة الإسلام . والعمل قسمان : عمل القلب ، وهو نيته وإخلاصه ، وعمل الجوارح . فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بكماله ، وإذا زال تصديق القلب لم ينفع بقية الأخر « 413 » ، فإن تصديق القلب شرط في اعتبارها وكونها نافعة ، وإذا بقي تصديق القلب وزال الباقي فهذا موضع المعركة ! ! ولا شك أنه يلزم من عدم طاعة الجوارح عدم طاعة القلب ، إذا لو أطاع القلب وانقاد ، لأطاعت الجوارح وانقادت ، ويلزم من عدم طاعة القلب وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة . قال صلى اللّه عليه وسلّم : « إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد ، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ، ألا وهي القلب » « 414 » . فمن صلح قلبه صلح جسده قطعا ، بخلاف العكس . وأما كونه يلزم من زوال جزئه
--> ( 412 ) قلت : ورواه مسلم بلفظ : « بضع وسبعون » كما تقدم ( برقم 406 ) ، وهو الأرجح عندي كما هو مبين في المجلد المشار إليه من « الصحيحة » . ( 413 ) في الأصل : الاجزاء . ( 414 ) هو طرف من حديث متفق عليه عن النعمان بن بشير ، وهو مخرج في « غاية المرام في تخريج الحلال والحرام » برقم ( 20 ) .