ابن أبي العز الحنفي

292

شرح العقيدة الطحاوية

مردودا غير مقبول بطل قولكم بالكلية ، فإنكم إنما بنيتم قولكم على ما تدّعون أنه مقدمات معلومة بالفطرة الآدمية ، وبطلت عقلياتنا أيضا ، وكان السمع الذي جاءت به الأنبياء معنا لا معكم ، فنحن مختصون بالسمع دونكم ، والعقل مشترك بيننا وبينكم . فإن قلتم : أكثر العقلاء يقولون بقولنا ؟ قيل : ليس الأمر كذلك ، فإن الذين يصرحون [ بأن ] صانع العالم شيء موجود ليس فوق العالم ، وأنه لا مباين للعالم ولا حالّ في العالم - : طائفة من النظار ، وأول من عرف عنه ذلك في الإسلام جهم ابن صفوان وأتباعه . واعترض على الدليل الفطري : أن ذلك إنما لكون السماء قبلة للدعاء ، كما أن الكعبة قبلة للصلاة ، « 331 » ، ثم هو منقوض بوضع الجبهة على الأرض مع أنه ليس في جهة الأرض ؟ وأجيب على هذا الاعتراض من وجوه : أحدها : أن قولكم : إن السماء قبلة للدعاء - لم يقله أحد من سلف الأمة ، ولا أنزل اللّه به من سلطان ، وهذا من الأمور الشرعية الدينية ، فلا يجوز أن يخفى على جميع سلف الأمة وعلمائها . الثاني : أن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة ، فإنه يستحبّ للداعي أن يستقبل القبلة ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلّم يستقبل القبلة في دعائه في مواطن كثيرة « 332 » ، فمن قال إن للدعاء قبلة غير قبلة الصلاة ، أو أن له قبلتين : إحداهما الكعبة والأخرى السماء - : فقد ابتدع في الدين ، وخالف جماعة المسلمين . الثالث : أن القبلة : هي ما يستقبله العابد بوجهه ، كما تستقبل الكعبة في الصلاة والدعاء ، والذكر والذبح ، وكما يوجه المحتضر والمدفون ، ولذلك سميت وجهة . والاستقبال خلاف الاستدبار ، فالاستقبال بالوجه ، والاستدبار بالدبر ،

--> ( 331 ) قال عفيفي : انظر ج 2 / 51 من « مختصر الموصلي للصواعق المرسلة » لابن القيم . ( 332 ) صحيح ، والأحاديث في ذلك كثيرة ، منها حديث عبد اللّه بن زيد قال : « خرج النبي صلى اللّه عليه وسلّم إلى هذا المصلى يستسقي ، فدعا واستسقى ، ثم استقبل القبلة » متفق عليه ، وترجم له البخاري في « الدعوات » ب « باب الدعاء مستقبل القبلة » .