ابن أبي العز الحنفي

293

شرح العقيدة الطحاوية

فأما ما حاذاه الإنسان برأسه أو يديه أو جنبه فهذا لا يسمى قبلة ، لا حقيقة ولا مجازا ، فلو كانت السماء قبلة الدعاء لكان المشروع أن يوجه الداعي وجهه إليها ، وهذا لم يشرع ، والموضع الذي ترفع اليد إليه لا يسمى قبلة ، لا حقيقة ولا مجازا ، ولأن القبلة في الدعاء أمر شرعي تنبع فيه الشرائع ، ولم تأمر الرسل أن الداعي يستقل السماء بوجهه ، بل نهوا [ عن ] ذلك . ومعلوم أن التوجه بالقلب ، واللجأ والطلب الذي يجده الداعي من نفسه أمر فطري ، يفعله المسلم والكافر والعالم والجاهل ، وأكثر ما يفعله المضطر والمستغيث باللّه ، كما فطر على أنه إذا مسه الضر يدعو اللّه ، مع أن أمر القبلة مما يقبل النسخ والتحويل ، كما تحولت القبلة من الصخرة إلى الكعبة . وأمر التوجّه في الدعاء إلى الجهة العلوية مركوز في الفطر ، والمستقبل للكعبة يعلم أن اللّه تعالى ليس هناك ، بخلاف الداعي ، فإنه يتوجه إلى ربه وخالقه ، ويرجو الرحمة أن تنزل من عنده . وأما النقض بوضع الجبهة فما أفسده من نقض ، فإن واضع الجبهة إنما قصده الخضوع لمن فوقه بالذلّ له ، لا أن يميل إليه إذ هو تحته ! هذا لا يخطر في قلب ساجد . لكن يحكى عن بشر المريسي أنه سمع وهو يقول [ في سجوده ] : سبحان ربي الأسفل ! ! تعالى اللّه عما يقول الظالمون والجاحدون علوّا كبيرا . وإنّ من أفضى به النفي إلى هذه الحال حري أن يتزندق ، إن لم يتداركه اللّه برحمته ، وبعيد من مثله الصلاح ، قال تعالى : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ الانعام : 110 . وقال تعالى : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ الصفّ : 5 . فمن لم يطلب الاهتداء من مظانه يعاقب بالحرمان . نسأل اللّه العفو والعافية . وقوله : وقد أعجز عن الإحاطة خلقه - أي لا يحيطون به علما ولا رؤية ، ولا غير ذلك من وجوه الإحاطة ، بل هو سبحانه محيط بكل شيء ، ولا يحيط به شيء . قوله : ( ونقول : ان اللّه اتخذ إبراهيم خليلا ، وكلّم اللّه موسى تكليما ، ايمانا وتصديقا وتسليما ) . ش : قال [ اللّه ] تعالى : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا النساء : 125 ، وقال تعالى : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً النساء : 164 . الخلة : كمال المحبة .