ابن أبي العز الحنفي
272
شرح العقيدة الطحاوية
إلا وقوعه . وهؤلاء فرضوا وقوعه مع العلم بعدم وقوعه ! وهو فرض محال . وذلك بمنزلة من يقول : افرض وقوعه مع عدم وقوعه ] ! وهو جمع بين النقيضين . فإن قيل : فإذا كان وقوعه مع علم الرب [ عدم ] وقوعه محالا لم يكن مقدورا ؟ قيل : لفظ المحال مجمل ، وهذا ليس محالا لعدم استطاعته له ولا لعجزه عنه ولا لامتناعه في نفسه ، بل هو ممكن مقدور مستطاع ، ولكن إذا وقع كان اللّه عالما بأنه سيقع ، وإذا لم يقع كان عالما بأنه لا يقع ، فإذا فرض وقوعه مع انتفاء لازم الوقوع صار محالا من جهة إثبات الملزوم بدون لازمه . وكل الأشياء بهذا الاعتبار هي محال ! مما يلزم هؤلاء : أن لا يبقى أحد قادرا على شيء ، لا الرب ، ولا الخلق ، فإن الرب إذا علم من نفسه أنه سيفعل كذا لا يلزم من علمه ذلك انتفاء قدرته على تركه ، وكذلك إذا علم من نفسه أنه لا يفعله لا يلزم منه انتفاء قدرته على فعله ، فكذلك ما قدّره من أفعال عباده . واللّه تعالى أعلم . قوله : ( وذلك من عقد « 282 » الايمان وأصول المعرفة والاعتراف بتوحيد اللّه تعالى وربوبيته ، كما قال تعالى في كتابه : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً الفرقان : 2 . وقال تعالى : وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً الأحزاب : 38 ) . ش : الإشارة إلى ما تقدم من الإيمان بالقدر وسبق علمه بالكائنات قبل خلقها . قال صلى اللّه عليه وسلّم في جواب السائل عن الإيمان : « أن تؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه » « 283 » . وقال صلى اللّه عليه وسلّم في آخر الحديث : « يا عمر أتدري من السائل ؟ قال : اللّه ورسوله أعلم ، قال : فإنه جبرائيل ، أتاكم يعلمكم دينكم » . رواه مسلم . وقوله : والاقرار بتوحيد اللّه وربوبيته ، أي لا يتم التوحيد والاقرار بالربوبية إلا بالإيمان بصفاته تعالى ، فإن من زعم خالقا غير اللّه فقد أشرك ، فكيف بمن يزعم أن كل أحد يخلق فعله ؟ ! ولهذا كانت القدرية مجوس هذه الأمة ، وأحاديثهم في « السنن » . وروى أبو داود عن ابن عمر ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، قال : « القدرية
--> ( 282 ) في الأصل : عقائد . ( 283 ) صحيح ، رواه مسلم عن عمر ، والبخاري ومسلم أيضا عن أبي هريرة نحوه .