ابن أبي العز الحنفي
265
شرح العقيدة الطحاوية
واختلف العلماء : هل القلم أول المخلوقات ، أو العرش ؟ على قولين ، ذكرهما الحافظ أبو العلاء الهمداني ، أصحهما : أن العرش قبل القلم ، لما ثبت في « الصحيح » من حديث عبد اللّه بن عمرو ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « كتب اللّه مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، [ قال ] : وعرشه على الماء » « 272 » . فهذا صريح أن التقدير وقع بعد خلق العرش ، والتقدير وقع عند أول خلق القلم ، بحديث عبادة هذا . ولا يخلو قوله : « أول ما خلق اللّه القلم » ، إلخ - إما أن يكون جملة أو جملتين . فإن كان جملة ، وهو الصحيح ، كان معناه : أنه عند أول خلقه قال له : « اكتب » ، [ كما في اللفظ : « أول ما خلق اللّه القلم قال له : اكتب ] » بنصب « أول » و « القلم » ، وإن كان جملتين ، وهو مروي برفع « أول » و « القلم » ، فيتعين حمله على أنه أول المخلوقات من هذا العالم ، فيتفق الحديثان ، إذ حديث عبد اللّه بن عمرو صريح في أن العرش سابق على التقدير ، والتقدير مقارن لخلق القلم . وفي اللفظ الآخر : « لما خلق اللّه القلم قال له : اكتب » ، فهذا القلم أول الأقلام وأفضلها وأجلها . وقد قال غير واحد من أهل التفسير : إنه القلم الذي أقسم اللّه به في قوله تعالى : ن . وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ القلم : 1 ، 2 . والقلم الثاني : قلم الوحي : وهو الذي يكتب به وحي اللّه إلى أنبيائه ورسله ، وأصحاب هذا القلم هم : الحكّام على العالم . والأقلام كلها خدم لأقلامهم . وقد رفع النبي صلى اللّه عليه وسلّم للّه ليلة أسري به إلى مستوى يسمع فيه
--> - وإذا كان لا بد من الترجيح بينهما ، فالأخرى أرجح من الأولى لاتفاق أكثر الرواة عليها ، ولأن لها شاهدا عن أبي هريرة كما تقدم ، ولأنها تتضمن زيادة في المعنى ، وعليه فلا تعارض بين الحديث على هذه الرواية وبين حديث عبد اللّه بن عمرو ، لأن حديثه صريح في أن الكتابة تأخرت عن خلق العرش ، والحديث على الرواية الراجحة صريح في أن القلم أول مخلوق ، ثم أمر بأن يكتب كل شيء يكون ، ومنه العرش ، فالأرجح عندي أن القلم متقدم على العرش . واللّه أعلم . وفي الحديث إشارة لطيفة إلى الرد على من يقول من العلماء : بحوادث لا أول لها ، وانه ما من مخلوق الا وهو مسبوق بمخلوق وهكذا إلى ما لا أول له ! فتأمل . وراجع لهذا « سلسلة الأحاديث الصحيحة » ( رقم 133 ) . ( 272 ) صحيح وتقدم ( برقم 80 ) .