ابن أبي العز الحنفي
256
شرح العقيدة الطحاوية
بشرّ ، فإن وجوده هو المنسوب إليه ، وهو من هذه الجهة ليس بشرّ ، والشر الذي فيه من عدم إمداده بالخير وأسبابه ، والعدم ليس بشيء ، حتى ينسب إلى من بيده الخير . فإن أردت مزيد إيضاح لذلك ، فاعلم أن أسباب الخير ثلاثة : الإيجاد ، والإعداد ، والامداد . فإيجاد هذا خير ، وهو إلى اللّه ، وكذلك إعداده وإمداده ، فإن لم يحدث فيه اعداد ولا امداد حصل فيه الشر بسبب هذا العدم الذي ليس إلى الفاعل ، وإنما إليه ضده . فإن قيل : هلّا أمده إذا أوجده ؟ قيل : ما اقتضت الحكمة إيجاده وإمداده ، وإنما اقتضت إيجاده وترك امداده . فإيجاده خير ، والشر وقع من عدم إمداده . فإن قيل : فهلّا أمد الموجودات كلها ؟ فهذا سؤال فاسد ، يظن مورده أن التسوية بين الموجودات أبلغ في الحكمة ! وهذا عين الجهل ! بل الحكمة في هذا التفاوت العظيم الذي بين الأشياء ، وليس في خلق كل نوع منها تفاوت ، فكل نوع منها ليس في خلقه تفاوت ، والتفاوت إنما وقع لأمور عدمية لم يتعلق بها الخلق ، وإلا فليس في الخلق من تفاوت . فإن اعتاص عليك هذا ، ولم تفهمه حق الفهم ، فراجع قول القائل : إذا لم تستطع شيئا فدعه * وجاوزه إلى ما تستطيع « 2531 » فإن قيل : كيف يرضى لعبده شيئا ولا يعينه عليه ؟ قيل : لأن إعانته عليه قد تستلزم فوات محبوب له أعظم من حصول تلك الطاعة « 254 » التي رضيها له ، وقد يكون وقوع تلك الطاعة منه يتضمن مفسدة هي أكره إليه سبحانه من محبته لتلك الطاعة . وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله : وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ . . التوبة : 46 - الآيتين . فأخبر سبحانه أنه كره انبعاثهم إلى الغزو مع رسوله ، وهو طاعة ، فلما كرهه منهم ثبّطهم عنه ، ثم ذكر
--> ( 254 ) قال عفيفي : ارجع في الاعتراضات والأجوبة التي ذكرها الشارح من هذا الموضع إلى قول المصنف في ص 206 وللتعمق والنظر في ذلك إلى 2 / 198 من « المدارج » . ( 2531 ) هو منسوب إلى الشاعر عمرو بن معد يكرب .