ابن أبي العز الحنفي
257
شرح العقيدة الطحاوية
سبحانه بعض المفاسد التي تترتب على خروجهم مع رسوله ، فقال : لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا التوبة : 47 ، أي فسادا وشرّا ، وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ التوبة : 47 ، أي سعوا بينكم بالفساد والشرّ ، يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ، وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ التوبة : 47 ، أي قابلون منهم « 255 » مستجيبون لهم ، فيتولد من سعي هؤلاء وقبول هؤلاء من الشرّ ما هو أعظم من مصلحة خروجهم ، فاقتضت الحكمة والرحمة أن أقعدهم عنه . فاجعل هذا المثال أصلا ، وقس عليه . وأما الوجه الثاني ، وهو الذي من جهة العبد : فهو أيضا ممكن ، بل واقع . فإن العبد يسخط الفسوق والمعاصي ويكرهها ، من حيث هي فعل العبد ، واقعة بكسبه وإرادته واختياره ، ويرضى بعلم اللّه وكتابه ومشيئته وإرادته وأمره الكوني ، فيرضى بما منّ اللّه ويسخط ما هو منه . فهذا مسلك طائفة من أهل العرفان . وطائفة أخرى كرهتها مطلقا ، وقولهم يرجع إلى هذا القول ، لأن إطلاقهم الكراهة لا يريدون به شموله لعلم الرب وكتابه « 256 » ومشيئته . وسر المسألة : أن الذي إلى الرب منها غير مكروه ، والذي إلى العبد مكروه . فإن قيل : ليس إلى العبد شيء منها . قيل : هذا هو الجبر الباطل الذي لا يمكن صاحبه التخلص من هذا المقام الضيق ، والقدري المنكر أقرب إلى التخلص منه من الجبري . وأهل السّنة ، المتوسطون بين القدرية والجبرية أسعد بالتخلص من الفريقين . فإن قيل : كيف يتأتّى الندم والتوبة مع شهود الحكمة في التقدير ، ومع شهود القيّومية والمشيئة النافذة ؟ قيل : هذا هو الذي أوقع من عميت بصيرته في شهود الأمر على غير ما هو عليه ، فرأى تلك الأفعال طاعات ، لموافقته فيها المشيئة والقدر ، وقال : إن عصيت أمره فقد أطعت إرادته ! [ و ] في ذلك قيل : أصبحت منفعلا لما يختاره * منّي ، ففعلي كله طاعات ! وهؤلاء أعمى الخلق بصائر ، وأجهلهم باللّه وأحكامه الدينية والكونية ، فإن الطاعة
--> ( 255 ) في الأصل : قائلون معهم ، وهو غير سديد . ( 256 ) في الأصل : وكتابته .