ابن أبي العز الحنفي
224
شرح العقيدة الطحاوية
وبينهما فرق عظيم . فعائشة ومعاوية رضي اللّه عنهما لم يقولا : كان مناما ، وإنما قالا : أسري بروحه ولم يفقد جسده ، وفرق ما بين الأمرين : [ أن ] ما يراه النائم قد يكون أمثالا مضروبة للمعلوم في الصورة المحسوسة ، فيرى كأنه قد عرج إلى السماء ، وذهب به إلى مكة ، وروحه لم تصعد ولم تذهب ، وانما ملك الرؤيا ضرب له المثال . فما أراد « 189 » أن الإسراء مناما ، وإنما أراد أن الروح ذاتها أسري بها ، ففارقت الجسد ثم عادت إليه ، ويجعلان هذا من خصائصه ، فإن غيره لا تنال ذات روحه الصعود الكامل إلى السماء إلا بعد الموت . وقيل : كان الإسراء مرتين ، مرة يقظة ، ومرة مناما . وأصحاب هذا القول كأنهم أرادوا الجمع بين حديث شريك وقوله : « ثم استيقظت » ، وبين سائر الروايات . وكذلك منهم من قال : بل كان مرتين ، مرة قبل الوحي ، ومرة بعده . ومنهم من قال : بل ثلاث مرات ، مرة قبل الوحي ، ومرتين بعده . وكلما اشتبه عليهم لفظ زادوا مرة ، للتوفيق ! ! وهذا يفعله ضعفاء أهل الحديث ، وإلا فالذي عليه أئمة النقل : أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة ، بعد البعثة ، قبل الهجرة بسنة ، وقيل : بسنة وشهرين ، ذكره ابن عبد البر . قال شمس الدين ابن القيم : يا عجبا لهؤلاء الذين زعموا أنه كان مرارا ! كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة يفرض عليهم الصلوات خمسين ، ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمسا ، فيقول : « أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي » ، ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين ، ثم يحطها إلى خمس ؟ ! وقد غلط الحفّاظ شريكا في ألفاظ من حديث الإسراء ، ومسلم أورد المسند منه ، ثم قال : « فقدّم وأخّر وزاد ونقص » . ولم يسرد الحديث . وأجاد رحمه اللّه . انتهى كلام الشيخ شمس الدين رحمه اللّه . وكان من حديث الإسراء : أنه صلى اللّه عليه وسلّم أسري بجسده في اليقظة ، على الصحيح ، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، راكبا على البراق ، صحبة جبرائيل عليه السلام ، فنزل هناك ، صلى بالأنبياء إماما ، وربط البراق بحلقة باب المسجد . وقد قيل : انه نزل بيت لحم وصلى فيه ، ولا يصح عنه ذلك البتة . ثم عرج من بيت
--> ( 189 ) قلت : لم يصح ذلك عنهما ، فهو في غنية عن التأويل .