ابن أبي العز الحنفي
192
شرح العقيدة الطحاوية
ولو كانت محالا لكان نظير أن يقول : إن استقر الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام . والكل عندهم سواء . السادس : قوله تعالى : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا الأعراف : 143 ، فإذا جاز أن يتجلى للجبل ، الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب ، فكيف يمتنع أن يتجلى لرسوله وأوليائه في دار كرامته ؟ ولكن اللّه أعلم موسى أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدار ، فالبشر أضعف . السابع : أن اللّه كلم موسى وناداه وناجاه ، ومن جاز عليه التكلم والتكليم وأن يسمع مخاطبه كلامه بغير واسطة - فرؤيته أولى بالجواز . ولهذا لا يتم إنكار رؤيته الا بإنكار كلامه ، وقد جمعوا بينهما . وأما دعواهم تأييد النفي ب « لن » وأن ذلك يدل على نفي الرؤية في الآخرة - : ففاسد ، فإنها لو قيدت بالتأبيد لا يدل على دوام النفي في الآخرة ، فكيف إذا أطلقت ؟ قال تعالى : « ولن يتمنّوه أبدا » البقرة : 95 ، مع قوله : وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ الزخرف : 77 . ولأنها لو كانت للتأبيد المطلق لما جاز تحديد الفعل بعدها ، وقد جاء ذلك ، قال تعالى : فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي يوسف : 80 . فثبت أن « لن » لا تقتضي النفي المؤبد . قال الشيخ جمال الدين ابن مالك رحمه اللّه : ومن رأى النفي بلن مؤبدا * فقوله أردد وسواه فاعضدا وأما الآية الثانية : فالاستدلال بها على الرؤية من وجه حسن لطيف ، وهو : أن اللّه تعالى انما ذكرها في سياق التمدح ، ومعلوم أن المدح انما يكون بالصفات الثبوتية ، وأما العدم المحض فليس بكمال فلا يمدح به ، وانما يمدح الرب تعالى بالنفي إذا تضمن أمرا وجوديّا ، كمدحه بنفي السّنة والنوم ، المتضمن كمال القيّومية ، ونفي الموت المتضمن كمال الحياة ، ونفي اللغوب والاعياء ، المتضمن كمال القدرة ، ونفي الشريك والصاحبة والولد والظهير ، المتضمن كمال الربوبية والألوهية وقهره ، ونفي الاكل والشرب المتضمن كمال صمديته وغناه ، ونفي الشفاعة عنده الا بإذنه المتضمن كمال توحده وغناه عن خلقه ، ونفي الظلم ، المتضمن كمال عدله وعلمه وغناه ، ونفي النسيان وعزوب شيء عن علمه ، المتضمن كمال علمه وإحاطته ، ونفي المثل ، المتضمن لكمال ذاته وصفاته . ولهذا لم يتمدح بعدم محض لم يتضمن أمرا ثبوتيا ، فإن المعدم يشارك الموصوف في ذلك العدم ، ولا يوصف الكامل بأمر