ابن أبي العز الحنفي
182
شرح العقيدة الطحاوية
وقد أورد على ذلك أن إنزال القرآن نظير إنزال المطر ، أو انزاله الحديد ، وانزال ثمانية أزواج من الأنعام . والجواب : أن انزال القرآن فيه مذكور أنه انزال من اللّه . قال تعالى : حم . تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غافر : 2 . وقال تعالى : تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ الزمر : 1 . وقال تعالى : تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فصلت : 2 . وقال تعالى : تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ حم السجدة : 42 . وقال تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ . فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ . أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ الدخان : 3 - 5 . وقال تعالى : فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ القصص : 49 . وقال تعالى : وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ الانعام : 114 . وقال تعالى : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ النحل : 102 . وإنزال المطر مقيد بأنه منزل من السماء . قال تعالى : أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً لفرقان : 48 . والسماء : العلو . وقد جاء في مكان آخر أنه منزل من المزن ، والمزن : السحاب . وفي مكان آخر أنه منزل من المعصرات . وإنزال الحديد والانعام مطلق ، فكيف يشبّه هذا الإنزال بهذا الانزال ؟ ! فالحديد إنما يكون من المعادن التي في الجبال ، وهي عالية على الأرض ، وقد قيل إنه كلما كان معدنه أعلى كان حديده أجود . والانعام تخلق بالتوالد المستلزم إنزال الذكور الماء من أصلابها إلى أرحام الإناث ، ولهذا يقال : أنزل ولم يقل نزّل ثم الأجنة تنزل من بطون الأمهات إلى وجه الأرض . ومن المعلوم أن الانعام تعلو فحولها إناثها عند الوطء ، وينزل ماء الفحل من علو إلى رحم الأنثى ، وتلقي ولدها عند الولادة من علو إلى سفل . وعلى هذا فيحتمل قوله ؛ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ الزمر : 6 - : وجهين : أحدهما ؛ أن تكون « من » لبيان الجنس . الثاني : أن تكون « من » لابتداء الغاية . وهذان الوجهان يحتملان في قوله : جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً الشورى : 11 . وقوله : وصدقه المؤمنون على ذلك حقّا الإشارة إلى ما ذكره من التكلم على