ابن أبي العز الحنفي
183
شرح العقيدة الطحاوية
الوجه المذكور وإنزاله ، أي هذا قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، وهم السلف الصالح ، وأن هذا حق وصدق . وقوله : وأيقنوا أنه كلام اللّه تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية . رد على المعتزلة وغيرهم بهذا القول ظاهر . وفي قوله : بالحقيقة رد على من قال : إنه معنى واحد قام بذات اللّه لم يسمع منه وانما هو الكلام النفساني ، لأنه لا يقال لمن قام به الكلام النفساني ولم يتكلم به - : أن هذا كلام حقيقة ، وإلا للزم أن يكون الأخرس متكلما ، ولزم أن لا يكون الذي في المصحف عند الإطلاق هو القرآن ولا كلام اللّه ، ولكن عبارة عنه ليست هي كلام اللّه ، كما لو أشار أخرس إلى شخص بإشارة فهم بها مقصوده ، فكتب ذلك الشخص عبارته عن المعنى الذي أوحاه إليه ذلك الأخرس ، فالمكتوب هو عبارة ذلك الشخص عن ذلك المعنى . وهذا المثل مطابق غاية المطابقة لما يقولونه ، وإن كان اللّه تعالى لا يسميه أحد « أخرس » ، لكن عندهم أن الملك فهم منه معنى قائما بنفسه ، لم يسمع منه حرفا ولا صوتا ، بل فهم معنى مجردا ، ثم عبر عنه ، فهو الذي أحدث نظم القرآن وتأليفه العربي ، وأنّا اللّه خلق في بعض الأجسام كالهوى الذي هو دون الملك هذه العبارة . ويقال لمن قال إنه معنى واحد - : هل سمع موسى عليه السلام جميع المعنى أو بعضه ؟ فإن قال : سمعه كله ، فقد زعم أنه سمع جميع كلام اللّه ! وفساد هذا ظاهر . وإن قال : بعضه ، فقد قال يتبعض . وكذلك كل من كلمه اللّه أو أنزل إليه شيئا من كلامه . ولما قال تعالى للملائكة : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً البقرة : 30 . ولما قال لهم : اسْجُدُوا لِآدَمَ . وأمثال ذلك - : هل هذا جميع كلامه أو بعضه ؟ فإن قال : إنه جميعه ، فهذا مكابرة ، وإن قال : بعضه ، فقد اعترف بتعدده . وللناس في مسمى الكلام والقول عند الإطلاق - : أربعة أقوال : أحدها : أنه يتناول اللفظ والمعنى جميعا ، كما يتناول لفظ الانسان الروح والبدن معا ، وهذا قول السلف . الثاني : اسم اللفظ فقط ، والمعنى ليس جزء مسماه ، بل هو مدلول مسماه ، وهذا قول جماعة من المعتزلة وغيرهم . الثالث : أنه اسم « للمعنى » فقط ، وإطلاقه على اللفظ مجاز ، لأنه دال عليه ، وهذا قول ابن كلاب ومن اتبعه .