ابن أبي العز الحنفي

178

شرح العقيدة الطحاوية

من أن يتكلم اللّه في بوحي يتلى » « 147 » . ولو كان المراد من ذلك كله خلاف مفهومه لوجب بيانه ، إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز . ولا يعرف في لغة ولا عقل قائل متكلم لا يقوم به القول والكلام وإن زعموا أنهم فروا من ذلك حذرا من التشبيه ، فلا يثبتوا صفة غيره ، فإنهم إذا قالوا : يعلم لا كعلمنا ، قلنا : ويتكلم لا كتكلمنا ، وكذلك سائر الصفات . وهل يعقل قادر لا تقوم به القدرة ، أو حي لا تقوم به الحياة ؟ وقد قال صلى اللّه عليه وسلّم : « أعوذ بكلمات اللّه التامات التي لا يجاوزهن برّ ولا فاجر » « 148 » ، فهل يقول عاقل إنه صلى اللّه عليه وسلّم عاذ بمخلوق ؟ بل هذا كقوله : « أعوذ برضاك من سخطك . وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك » « 149 » ، وكقوله : « أعوذ بعزة اللّه وقدرته من شر ما أجد وأحاذر » « 150 » . وكقوله : « وأعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا » « 151 » . كل هذه من صفات اللّه تعالى . وهذه المعاني مبسوطة في مواضعها ، وإنما أشير إليها هنا إشارة . وكثير من متأخري الحنفية على أنه معنى واحد ، والتعدد والتكثر والتجزؤ والتبعض حاصل في الدلالات ، لا في المدلول . وهذه العبارات مخلوقة ، وسميت « كلام اللّه » لدلالتها عليه وتأديه بها ، فإن عبّر بالعربية فهو قرآن ، وإن عبّر بالعبرانية فهو توراة ، فاختلفت العبارات لا الكلام . قالوا : وتسمى هذه العبارات كلام اللّه مجازا ! وهذا الكلام فاسد ، فإن لازمه أن معنى قوله : وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى الاسراء : 32 ، هو معنى قوله : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ البقرة : 43 . ومعنى آية الكرسي هو معنى آية الدّين ! ومعنى سورة الاخلاص هو معنى تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ المسد : 1 . وكلما تأمل الانسان هذا القول تبين له فساده ، وعلم أنه مخالف لكلام السلف .

--> ( 147 ) البخاري ومسلم في حديث طويل لها في قصة الإفك . ( 148 ) صحيح ، رواه أحمد ( 3 / 419 ) وابن السني ( 631 ) عن عبد الرحمن بن حنبش مرفوعا بسند صحيح . ( 149 ) مسلم وقد مضى ( برقم 72 ) . ( 150 ) صحيح ، وتقدم ( برقم 70 ) . ( 151 ) صحيح ، وتقدم ( برقم 73 ) .