ابن أبي العز الحنفي

179

شرح العقيدة الطحاوية

والحق : أن التوراة والإنجيل والزبور والقرآن من كلام اللّه حقيقة ، وكلام اللّه تعالى لا يتناهى ، فإنه لم يزل يتكلم بما شاء إذا شاء كيف شاء ، ولا يزال كذلك . قال تعالى : قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً الكهف : 109 . وقال تعالى : وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لقمان : 27 . ولو كان ما في المصحف عبارة عن كلام اللّه ، وليس هو كلام اللّه ، لما حرم على الجنب والمحدث مسه ، ولو كان ما يقرأه القارئ ليس كلام اللّه لما حرم على الجنب والمحدث قراءته . بل كلام اللّه محفوظ في الصدور ، مقروء بالألسن ، مكتوب في المصاحف ، كما قال أبو حنيفة في « الفقه الأكبر » . وهو في هذه المواضع كلها حقيقة ، وإذا قيل : فيه خط فلان وكتابته - : فهم منه معنى صحيح حقيقي ، وإذا قيل : فيه مداد قد كتب به - : فهم منه معنى صحيح حقيقي ، وإذا قيل : المداد في المصحف - : كانت الظرفية فيه غير الظرفية المفهومة من قول القائل : فيه السماوات والأرض ، وفيه محمد وعيسى ، ونحو ذلك . وهذان المعنيان مغايران لمعنى قول القائل : فيه كلام اللّه . ومن لم يتنبه للفروق بين هذه المعاني ضل ولم يهتد للصواب . وكذلك الفرق بين القراءة التي هي فعل القارئ ، والمقروء الذي هو قول الباري ، من لم يهتد له فهو ضال أيضا ، ولو أن انسانا وجد في ورقة مكتوبا « ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل » من خط كاتب معروف . لقال : هذا من كلام لبيد حقيقة ، وهذا خط فلان حقيقة ، وهذا كل شيء حقيقة ، وهذا خبر حقيقة ، ولا تشتبه هذه الحقيقة بالأخرى . والقرآن في الأصل : مصدر ، فتارة يذكر ويراد به القراءة ، قال تعالى : وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً الاسراء : 78 . وقال صلى اللّه عليه وسلّم : « زينوا القرآن بأصواتكم » « 1511 » . وتارة يذكر ويراد به المقروء ، قال تعالى : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ النحل : 98 . وقال تعالى : وَإِذا

--> ( 1511 ) صحيح ، رواه أبو داود وغيره من أصحاب السنن والحاكم وأحمد بسند صحيح عن البراء بن عازب ، « صحيح أبي داود » ( 1320 ) .