ابن أبي العز الحنفي

177

شرح العقيدة الطحاوية

القرآن عن موسى عليه السلام وغيره ، وعن فرعون وإبليس - فان ذلك كلام اللّه إخبارا عنهم ، وكلام موسى وغيره من المخلوقين مخلوق ، والقرآن كلام اللّه لا كلامهم ، وسمع موسى عليه السلام كلام اللّه تعالى ، فلما كلم موسى كلمه بكلامه الذي هو من صفاته لم يزل ، وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين ، يعلم لا كعلمنا ، ويقدر لا كقدرتنا ، ويرى لا كرؤيتنا ، ويتكلم لا ككلامنا . انتهى . فقوله : ولما كلّم « 146 » موسى كلمه بكلامه الذي هو من صفاته - يعلم منه أنه حين جاء كلمه ، لا أنه لم يزل ولا يزال أزلا وأبدا يقول يا موسى ، كما يفهم ذلك من قوله تعالى : وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ الأعراف : 143 ، ففهم منه الرد على من يقول من أصحابه أنه معنى واحد قائم بالنفس لا يتصور أن يسمع ، وإنما يخلق اللّه الصوت في الهواء ، كما قال أبو منصور الماتريدي وغيره . وقوله : الذي هو من صفاته لم يزل رد على من يقول إنه حدث له وصف الكلام بعد أن لم يكن متكلما . وبالجملة : فكل ما تحتج به المعتزلة مما يدل على أنه كلام متعلق بمشيئته وقدرته ، وأنه يتكلم إذا شاء ، وأنه يتكلم شيئا بعد شيء ، فهو حق يجب قبوله . وما يقوله من يقول : إن كلام اللّه قائم بذاته ، وأنه صفة له . والصفة لا تقوم الا بالموصوف - : فهو حق يجب قبوله والقول به . فيجب الأخذ بما في قول كل من الطائفتين من الصواب ، والعدول عما يرده الشرع والعقل من قول كل منهما . فإذا قالوا لنا : فهذا يلزم أن تكون الحوادث قامت به . قلنا : هذا القول مجمل ، ومن أنكر قبلكم قيام الحوادث بهذا المعنى به تعالى من الأئمة ؟ ونصوص القرآن والسنة تتضمن ذلك ، ونصوص الأئمة أيضا ، مع صريح العقل . ولا شك أن الرسل الذين خاطبوا الناس وأخبروهم أن اللّه قال ونادى وناجى ويقول ، لم يفهموهم أن هذه مخلوقات منفصلة عنه ، بل الذي أفهموهم إياه : أن اللّه نفسه هو الذي تكلم ، والكلام قائم به لا بغيره ، وأنه هو الذي تكلم به وقاله ، كما قالت عائشة رضي اللّه عنها في حديث الإفك : « ولشأني في نفسي كان أحقر

--> ( 146 ) في المطبوعة « ولما كان » ، وهو خطأ .