ابن أبي العز الحنفي

170

شرح العقيدة الطحاوية

والوصف بالتكلم من أوصاف الكمال ، وضده من أوصاف النقص . قال تعالى : وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا الأعراف : 148 . فكان عبّاد العجل - مع كفرهم - أعرف باللّه من المعتزلة ، فإنهم لم يقولوا لموسى : وربك لا يتكلم أيضا . وقال تعالى عن العجل أيضا : أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً طه : 89 . فعلم أن نفي رجوع القول ونفي التكلم نقص يستدل به على عدم ألوهية العجل . وغاية شبهتهم أنهم يقولون : يلزم منه التشبيه والتجسيم ؟ فيقال لهم : إذا قلنا إنه تعالى يتكلم كما يليق بجلاله انتفت شبهتهم . ألا ترى أنه تعالى قال : الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ يس : 65 . فنحن نؤمن أنها تتكلم ، ولا نعلم كيف تتكلم . وكذا قوله تعالى : وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ فصلت : 21 . وكذلك تسبيح الحصا والطعام ، وسلام الحجر ، كل ذلك بلا فم يخرج منه الصوت الصاعد من لديه المعتمد على مقاطع الحروف . وإلى هذا أشار الشيخ رحمه اللّه بقوله : منه بدا بلا كيفية قولا ، أي : ظهر منه ولا ندري كيفية تكلمه به . وأكّد هذا المعنى بقوله « قولا » ، أتى بالمصدر المعرف للحقيقة ، كما أكد اللّه تعالى التكليم بالمصدر المثبت النافي للمجاز في قوله : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً . فما ذا بعد الحق إلا الضلال ؟ ! ولقد قال بعضهم لأبي عمرو بن العلاء - أحد القراء السبعة - : أريد أن تقرأ : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى ، بنصب اسم اللّه ، ليكون موسى هو المتكلم لا اللّه ! فقال أبو عمرو : هب أني قرأت هذه الآية كذا ، فكيف تصنع بقوله تعالى : وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ؟ ! فبهت المعتزلي ! وكم في الكتاب والسنة من دليل على تكليم اللّه تعالى لأهل الجنة وغيرهم . قال تعالى : سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ يس : 58 ، فعن جابر رضي اللّه عنه ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور ، فرفعوا أبصارهم ، فإذا الرب جلّ جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم ، فقال : السلام