ابن أبي العز الحنفي
163
شرح العقيدة الطحاوية
الناس أنه أكمل من يونس ، فلا يحتاج إلى هذا المقام ، إذ لا يفعل ما يلام عليه . ومن ظن هذا فقد كذب ، بل كل عبد من عباد اللّه يقول ما قال يونس : أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ، كما قال أول الأنبياء وآخرهم ، فأولهم : آدم ، قد قال : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ الأعراف : 23 . وآخرهم وأفضلهم وسيدهم : محمد صلى اللّه عليه وسلّم ، قال في الحديث الصحيح ، حديث الاستفتاح ، من رواية علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه وغيره ، بعد قوله « وجهت وجهي » آخره : « اللهم أنت الملك لا إله الا أنت ، أنت ربي وأنا عبدك ، ظلمت نفسي ، واعترفت بذنبي ، فاغفر لي ذنوبي جميعا ، لا يغفر الذنوب الا أنت » « 133 » ، إلى آخر الحديث ، وكذا قال موسى عليه السلام : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ القصص : 16 . وأيضا : فيونس صلى اللّه عليه وسلّم لما قيل فيه : فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ القلم : 48 ، فنهى نبينا صلى اللّه عليه وسلّم عن التشبه به ، وأمره بالتشبه بأولي العزم حيث قيل له : فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ الأحقاف : 35 ، فقد يقول من يقول : « أنا خير من يونس » - : للأفضل أن يفخر على من دونه ، فكيف إذا لم يكن أفضل ، فان اللّه لا يحب كل مختال فخور ، وفي صحيح مسلم عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « أوحي إليّ أن تواضعوا ، حتى لا يفخر أحد على أحد ، ولا يبغي أحد على أحد » « 134 » . [ فاللّه تعالى نهى أن يفخر على عموم المؤمنين ] ، فكيف على نبي كريم ؟ فلهذا قال : « لا ينبغي لعبد أن يقول : أنا خير من يونس بن متى » . فهذا نهي عام لكل أحد أن يتفضل ويفتخر على يونس . وقوله : « من قال إني خير من يونس بن متى فقد كذب » ، فإنه لو قدر أنه كان أفضل ، فهذا الكلام يصير نقصا ، فيكون كاذبا ، وهذا لا يقوله نبي كريم ، بل هو تقدير مطلق ، أي : من قال هذا
--> ( 133 ) مسلم وأحمد وغيرهما من حديث علي رضي اللّه عنه ، وهو قطعة من دعاء التوجه بعد الإحرام ، وهو مخرج في « صفة الصلاة » ( ص 85 - الطبعة السادسة ) . ( 134 ) مسلم ( 8 / 160 ) من حديث عياض بن حمار ، وله شاهد من حديث أنس ، وقد خرجتهما في « الصحيحة » ( 570 ) .