ابن أبي العز الحنفي

162

شرح العقيدة الطحاوية

البخاري وغيره . لكن بعض الناس يقول : ان فيه علة ، بخلاف حديث موسى ، فإنه صحيح لا علة فيه باتفاقهم . وقد أجاب بعضهم بجواب آخر ، وهو : أن قوله صلى اللّه عليه وسلّم « لا تفضلوني على موسى » « 129 » ، وقوله : « لا تفضلوا بين الأنبياء » نهي عن التفضيل الخاص ، أي : لا يفضل بعض الرسل على بعض بعينه ، بخلاف قوله : « أنا سيد ولد آدم ولا فخر » « 130 » فإنه تفضيل عام فلا يمنع منه . وهذا كما لو قيل : فلان أفضل أهل البلد ، لا ينصب على أفرادهم ، بخلاف ما لو قيل لأحدهم : فلان أفضل منك . ثم اني رأيت الطحاوي رحمه اللّه قد أجاب بهذا الجواب في « شرح معاني الآثار » . وأما ما يروى أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « لا تفضلوني على يونس [ بن متّى ] » « 131 » ، وأن بعض الشيوخ قال : لا يفسر لهم هذا الحديث حتى يعطى مالا جزيلا ، فلما أعطوه فسره بأن قرب يونس من اللّه وهو في بطن الحوت كقربي من اللّه ليلة المعراج وعدوا هذا تفسيرا عظيما . وهذا يدل على جهلهم بكلام اللّه وبكلام رسوله لفظا ومعنى ، فإن هذا الحديث بهذا اللفظ لم يروه أحد من أهل الكتب التي يعتمد عليها ، وإنما اللفظ الذي في الصحيح : « لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس ابن متى » « 132 » . وفي رواية : « من قال إني خير من يونس بن متى فقد كذب » . وهذا اللفظ يدل على العموم ، « لا ينبغي لأحد أن يفضل نفسه على يونس بن متى » ، ليس فيه نهي المسلمين أن يفضلوا محمدا على يونس ، وذلك لأن اللّه تعالى قد أخبر عنه أنه التقمه الحوت وهو مليم ، أي : فاعل ما يلام عليه . وقال تعالى : وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ الأنبياء : 87 . فقد يقع في نفس بعض

--> ( 129 ) صحيح ، وتقدم قريبا ( برقم 126 ) . ( 130 ) صحيح ، وتقدم قريبا ( برقم 127 ) . ( 131 ) لا أعرف له أصلا بهذا اللفظ ، وتقدم قريبا في حديث أبي هريرة : « ولا أقول : ان أحدا أفضل من يونس بن متى » . ( 132 ) مسلم وأحمد وغيرهما ولفظه عند مسلم ( 2376 ) ، « قال : يعني اللّه تبارك وتعالى : لا ينبغي لعبد لي ( وفي لفظ : لعبدي ) . والرواية الأخرى للبخاري في « التفسير » .