ابن أبي العز الحنفي

161

شرح العقيدة الطحاوية

فالجواب : أن هذا كان له سبب ، فإنه كان قد قال يهودي : لا والذي اصطفى موسى على البشر ، فلطمه مسلم ، وقال : أتقول هذا ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم بين أظهرنا ؟ فجاء اليهودي فاشتكى من المسلم الذي لطمه ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلّم هذا ، لأن التفضيل إذا كان على وجه الحمية والعصبية وهوى النفس كان مذموما ، بل نفس الجهاد إذا قاتل الرجل حمية وعصبية كان مذموما ، فان اللّه حرم الفخر ، وقد قال تعالى : وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ الاسراء : 55 . وقال تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ البقرة : 253 . فعلم أن المذموم انما هو التفضيل على وجه الفخر ، أو على وجه الانتقاص بالمفضول . وعلى هذا يحمل أيضا قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « لا تفضلوا بين الأنبياء » « 128 » ، إن كان ثابتا ، فان هذا قد روي في نفس حديث موسى ، وهو في

--> - القيامة . أخرجه مسلم ( 7 / 59 ) وأبو داود ( 4673 ) وابن سعد ( 1 / 20 ) وهو في الصحيحين نحوه ، وتقدم قريبا ، وذكرنا له هناك شاهد آخر ؛ وله في « الصحيحة » ( 1571 ) شاهد ثالث عن سلمان . ( 128 ) صحيح ، وهو رواية من حديث أبي هريرة المتقدم من طريق عبد الرحمن الأعرج عنه قال : « بينما يهودي يعرض سلعة له أعطي بها شيئا كرهه أو لم يرضه ، قال : لا والذي اصطفى موسى عليه السلام على البشر ، فسمعه رجل من الأنصار ، فلطم وجهه ، قال : تقول : والذي اصطفى موسى عليه السلام على البشر ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم بين أظهرنا ؟ ! قال : فذهب اليهودي إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فقال : يا أبا القاسم ان لي ذمة وعهدا ، وقال : فلان لطم وجهي ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : لم لطمت وجهه ؟ قال : قال يا رسول اللّه : والذي اصطفى موسى عليه السلام على البشر وأنت بين أظهرنا ، قال : فغضب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم حتى عرف الغضب في وجهه ، ثم قال : لا تفضلوا بين أنبياء اللّه ، فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض ، الا من شاء اللّه ، قال : ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من بعث ، أو في أول من بعث ، فإذا موسى عليه السلام آخذ بالعرش ، فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور ، أو بعث قبلي ، ولا أقول : « ان أحدا أفضل من يونس بن متى عليه السلام » . اخرجه البخاري ( 2 / 360 - 361 ) ومسلم ( 7 / 100 - 101 ) وقد غمز الشارح من صحته ، ولا أعلم له علة ، ولم يتكلم عليه الحافظ في « الفتح » ( 6 / 318 ) ، وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا بلفظ : « لا تخيروا بين الأنبياء ، فإن الناس يصعقون . . » الحديث نحوه . أخرجه البخاري ( 2 / 89 ) ومسلم ( 7 / 102 ) وأحمد ( 3 / 33 ) ، وروى أبو داود ( 4668 ) الجملة الأولى منه ، وهي راوية لأحمد ( 3 / 31 ) .