ابن أبي العز الحنفي
158
شرح العقيدة الطحاوية
عليه رسله وأتباعهم ، وقطعوا دابره واستأصلوه . هذه سنة اللّه التي قد خلت من قبل ، حتى إن الكفار يعلمون ذلك . قال تعالى : أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ . قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ الطور : 30 - 31 . أفلا تراه يحبر أن كماله وحكمته وقدرته تأبى أن يقر من تقوّل عليه بعض الأقاويل ، لا بد أن يجعله عبرة لعباده كما جرت بذلك سنته في المتقولين « 118 » عليه . وقال تعالى : أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ الشورى : 24 . وهنا انتهى جواب الشرط ، ثم أخبر خبرا جازما غير معلق : أنه يمحو الباطل ويحق الحق . وقال تعالى : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ الانعام : 91 . فأخبر سبحانه أن من نفى عنه الإرسال والكلام لم يقدره حق قدره . وقد ذكروا فروقا بين النبي والرسول ، وأحسنها : أن من نبّأه اللّه بخبر السماء ، إن أمره أن يبلغ غيره ، فهو نبي رسول ، وان لم يأمره أن يبلغ غيره ، فهو نبي وليس برسول . فالرسول أخص من النبي ، فكل رسول نبي ، وليس كل نبي رسولا ، ولكن الرسالة أعم من جهة نفسها ، فالنبوة جزء من الرسالة ، إذ الرسالة تتناول النبوة وغيرها ، بخلاف الرسل ، فإنهم لا يتناولون الأنبياء وغيرهم ، بل الامر بالعكس . فالرسالة أعم من جهة نفسها ، وأخص من جهة أهلها . وإرسال الرسل من أعظم نعم اللّه على خلقه ، وخصوصا محمد صلى اللّه عليه وسلّم ، كما قال [ تعالى ] : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ آل عمران : 164 . وقال تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ الأنبياء : 107 . قوله : ( وانه خاتم الأنبياء ) ش : قال تعالى : وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ الأحزاب : 40 . وقال صلى اللّه عليه وسلّم : « مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بناؤه ، وترك منه موضع لبنة ، فطاف
--> ( 118 ) في الأصل : المقتولين .