ابن أبي العز الحنفي
141
شرح العقيدة الطحاوية
قوله : ( خلق الخلق بعلمه ) ش : خلق : أي : أوجد وأنشأ وأبدع . ويأتي خلق أيضا بمعنى : قدر . والخلق : مصدر ، وهو هنا بمعنى المخلوق . وقوله : « بعلمه » في محل نصب على الحال ، أي : خلقهم عالما بهم ، قال تعالى : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ الملك : 14 . وقال تعالى : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ . وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ الانعام : 59 - 60 . وفي ذلك رد على المعتزلة . قال الامام عبد العزيز المكي صاحب الإمام الشافعي رحمه اللّه وجليسه ، في كتاب « الحيدة » ، « 85 » ، الذي حكى فيه مناظرته بشرا المريسي عند المأمون حين سأله عن علمه تعالى : فقال بشر : أقول : لا يجهل ، فجعل يكرر السؤال عن صفة العلم ، تقريرا له ، وبشر يقول : لا يجهل ، ولا يعترف له أنه عالم بعلم ، فقال الامام عبد العزيز : نفي الجهل لا يكون صفة مدح ، فان هذه الأسطوانة لا تجهل ، وقد مدح اللّه تعالى الأنبياء والملائكة والمؤمنين بالعلم ، لا بنفي الجهل . فمن أثبت العلم فقد نفى الجهل ، ومن نفى الجهل لم يثبت العلم ، وعلى الخلق أن يثبتوا ما أثبته اللّه تعالى لنفسه ، وينفوا ما نفاه ، ويمسكوا عما أمسك عنه . والدليل العقلي على علمه تعالى : أنه يستحيل ايجاده الأشياء مع الجهل ، ولأن ايجاده الأشياء بإرادته ، والإرادة تستلزم تصور المراد ، وتصور المراد : هو العلم بالمراد ، فكان الايجاد مستلزما للإرادة ، والإرادة مستلزمة للعلم ، فالايجاد مستلزم للعلم . ولان المخلوقات فيها من الاحكام والاتقان ما يستلزم علم الفاعل لها ، لأن الفعل المحكم المتقن يمتنع صدوره عن غير علم « 86 » ، ولأن من المخلوقات ما هو عالم ، والعلم صفة كمال ، ويمتنع أن لا يكون الخالق عالما . وهذا له طريقان : أحدهما : أن يقال : نحن نعلم بالضرورة أن الخالق أكمل من المخلوق ، وأن
--> ( 85 ) قلت : في ثبوت نسبة الكتاب للمكي نظر ، راجع ( الحاشية : 142 ) . ( 86 ) في الأصل : العالم .