ابن أبي العز الحنفي

121

شرح العقيدة الطحاوية

بعدم النوم والسّنة ، دون خلقه ، فإنهم ينامون . وفي ذلك إشارة إلى [ أن ] نفي التشبيه ليس المراد منه نفي الصفات ، بل هو سبحانه موصوف بصفات الكمال ، لكمال ذاته . فالحي بحياة باقية لا يشبه الحي بحياة زائلة ، ولهذا كانت الحياة الدنيا متاعا ولهوا ولعبا وان الدار الآخرة لهي الحيوان ، فالحياة الدنيا كالمنام ، والحياة الآخرة كاليقظة ، ولا يقال : فهذه الحياة الآخرة كاملة ، وهي للمخلوق - : لأنا نقول : الحي الذي الحياة من صفات ذاته اللازمة لها ، هو الذي وهب المخلوق تلك الحياة الدائمة ، فهي دائمة بإدامة اللّه لها ، لا أن الدوام وصف لازم لها لذاتها ، بخلاف حياة الرب تعالى . وكذلك سائر صفاته ، فصفات الخالق كما يليق به ، وصفات المخلوق كما يليق به . واعلم أن هذين الاسمين ، أعني : الحي القيوم مذكوران في القرآن معا في ثلاث سور كما تقدم ، وهما من أعظم أسماء اللّه الحسنى ، حتى قيل : انهما الاسم الأعظم ، فإنهما يتضمنان اثبات صفات الكمال أكمل تضمن وأصدقه ، ويدل القيوم على معنى الأزلية والأبدية ما لا يدل عليه لفظ القديم . ويدل أيضا على كونه موجودا بنفسه ، وهو معنى كونه واجب الوجود . والقيوم أبلغ من « القيّام » لان الواو أقوى من الألف ، ويفيد قيامه بنفسه ، باتفاق المفسرين وأهل اللغة ، وهو معلوم بالضرورة . وهل تفيد اقامته لغيره وقيامه عليه ؟ فيه قولان ، أصحهما : انه يفيد ذلك . وهو يفيد دوام قيامه [ وكل « 53 » قيامه ] ، لما فيه من المبالغة ، فهو سبحانه لا يزول [ و ] لا يأفل ، فإن الآفل قد زال قطعا ، أي : لا يغيب ولا ينقص ولا يفنى ولا يعدم ، بل هو الدائم الباقي الذي لم يزل ولا يزال ، موصوفا بصفات الكمال . واقترانه بالحي يستلزم سائر صفات الكمال ، ويدل على دوامها وبقائها ، وانتفاء النقص والعدم عنها أزلا وأبدا . ولهذا كان قوله : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ البقرة : 255 . أعظم آية في القرآن ، كما ثبت ذلك في « الصحيح » عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم « 54 » . فعلى هذين الاسمين مدار الأسماء الحسنى كلها ، وإليهما ترجع معانيها .

--> ( 53 ) كذا في النسخ المطبوعة ولعل الأجود : وكمال قيامه . ( 54 ) رواه مسلم ( 2 / 199 ) عن أبي بن كعب .