ابن أبي العز الحنفي
104
شرح العقيدة الطحاوية
فدلالة اللفظ على المعنى هي بواسطة دلالته على ما عناه المتكلم وأراده ، وارادته وعنايته في قلبه ، فلا يعرف باللفظ ابتداء ، ولكن [ لا ] يعرف المعنى بغير اللفظ حتى يعلم أولا أن هذا المعنى المراد هو الذي يراد بذلك اللفظ ويعنى به ، فإذا عرف ذلك ثم سمع اللفظ مرة ثانية ، عرف المعنى المراد بلا إشارة . إليه . وان كانت الإشارة إلى ما يحس بالباطن ، مثل الجوع والشيع والري والعطش والحزن والفرح ، فإنه لا يعرف اسم ذلك حتى يجده من نفسه ، فإذا وجده أشير له إليه ، وعرف أن اسمه كذا ، والإشارة تارة تكون إلى جوع نفسه أو عطش نفسه ، مثل أن يراه أنه قد جاع فيقول له : جعت ، أنت جائع ، فيسمع اللفظ ويعلم ما عينه بالإشارة أو ما يجري مجراها من القرائن التي تعين المراد ، مثل نظر أمه إليه في حال جوعه وادراكه بنظرها أو نحوه جنها تعني جوعه ، أو يسمعهم يعبرون بذلك عن جوع غيره . إذا عرف ذلك فالمخاطب المتكلم إذا أراد بيان معان ، فلا يخلو اما أن يكون مما أدركها المخاطب المستمع باحساسه وشهوده ، أو بمعقوله ، واما أن لا يكون كذلك . فان كانت من القسمين الأولين لم يحتج الا إلى معرفة اللغة ، بأن يكون قد عرف معاني الالفاظ المفردة ومعنى التركيب ، فإذا قيل له بعد ذلك : أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ . وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ البلد 8 - 9 ، أو قيل له : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ النحل : 78 . ونحو ذلك ، فهم المخاطب بما أدركه بحسه ، وان كانت المعاني التي يراد تعريفه بها ليست مما أحسه وشهده بعينه ، ولا بحيث صار له معقول كلي يتناولها حتى يفهم به المراد بتلك الالفاظ ، بل هي مما [ لا ] يدركه بشيء من حواسه الباطنة والظاهرة ، فلا بد في تعريفه من طريق القياس والتمثيل والاعتبار بما بينه وبين معقولات الأمور التي شاهدها من التشابه والتناسب ، وكلما كان التمثيل أقوى ، كان البيان أحسن ، والفهم أكمل . فالرسول صلوات اللّه وسلامه عليه لما بين لنا أمورا لم تكن معروفة قبل ذلك ، وليس في لغتهم لفظ يدل عليها بعينها ، أتى بألفاظ تناسب معانيها تلك المعاني ، وجعلها أسماء لها ، فيكون بينها قدر مشترك ، كالصلاة ، والزكاة ، والصوم ، والايمان ، والكفر . وكذلك لما أخبرنا بأمور تتعلق بالايمان باللّه وباليوم الآخر ، وهم