ابن أبي العز الحنفي

105

شرح العقيدة الطحاوية

لم يكونوا يعرفونها قبل ذلك حتى يكون لهم ألفاظ تدل عليها بعينها ، أخذ من اللغة الالفاظ المناسبة لتلك بما تدل عليه من القدر المشترك بين تلك المعاني الغيبية ، والمعاني الشهودية التي كانوا يعرفونها ، وقرن بذلك من الإشارة ونحوها ما يعلم به حقيقة المراد ، كتعليم الصبي ، كما قال ربيعة ابن أبي عبد الرحمن « 41 » : الناس في حجور علمائهم كالصبيان في حجور آبائهم . وأما ما يخبر به الرسول من الأمور الغائبة ، فقد يكون مما أدركوا نظيره بحسهم وعقلهم ، كإخبارهم بأن الريح قد أهلكت عادا ، فان عادا من جنسهم والريح من جنس ريحهم ، وان كانت أشد . وكذلك غرق فرعون في البحر ، وكذا بقية الاخبار عن الأمم الماضية . ولهذا كان الاخبار بذلك فيه عبرة لنا ، كما قال تعالى : لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ يوسف : 111 . وقد يكون الذي يخبر به الرسول ما لم يدركوا مثله الموافق له في الحقيقة من كل وجه لكن في مفرداته ما يشبه مفرداتهم من بعض الوجوه . كما إذا أخبرهم عن الأمور الغيبية المتعلقة باللّه واليوم الآخر ، فلا بد أن يعلموا معنى مشتركا وشبها بين مفردات تلك الالفاظ وبين مفردات ما علموه في الدنيا بحسهم وعقلهم . فإذا كان ذلك المعنى الذي في الدنيا لم يشهدوه بعد ، ويريد أن يجعلهم يشهدونه مشاهدة كاملة ليفهموا به القدر المشترك بينه وبين المعنى الغائب ، أشهدهم إياه ، وأشار لهم إليه ، وفعل قولا يكون حكاية له وشبها ، به يعلم المستمعون أن معرفتهم بالحقائق المشهودة هي الطريق التي يعرفون بها الأمور الغائبة . فينبغي أن يعرف هذه الدرجات : أولها : ادراك الانسان المعاني الحسية المشاهدة . وثانيها : عقله لمعانيها الكلية . وثالثها : تعريف الالفاظ الدالة على تلك المعاني الحسية والعقلية . فهذه المراتب الثلاث لا بد منها في كل خطاب . فإذا أخبرنا عن الأمور الغائبة فلا بد من تعريفنا المعاني المشتركة بينها وبين الحقائق المشهودة والاشتباه الذي بينهما ، وذلك بتعريفنا الأمور المشهودة . ثم إن كانت مثلها

--> ( 41 ) هو ربيعة بن فروخ المدني أبو عثمان امام حافظ فقيه مجتهد كان صاحب الفتوى في المدينة وبه تفقه الامام مالك ويلقب بربيعة الرأي .