ابن أبي العز الحنفي

101

شرح العقيدة الطحاوية

أنه ليس العلم كالعلم ، ولا القوة كالقوة ، ونظائر هذا كثيرة . وهذا لازم لجميع العقلاء . فإن من نفى صفة من صفاته التي وصف اللّه بها نفسه ، كالرضى والغضب ، والحب والبغض ، ونحو ذلك ، ورغم أن ذلك يستلزم التشبيه والتجسيم ! قيل له : فأنت تثبت له الإرادة والكلام والسمع والبصر ، مع أن ما تثبته له ليس مثل صفات المخلوقين ، فقل فيما نفيته وأثبته اللّه ورسوله مثل قولك فيما أثبتّه ، إذ لا فرق بينهما . فإن قال : أنا لا أثبت شيئا من الصفات ! قيل له : فأنت تثبت له الأسماء الحسنى ، مثل : عليم ، حي ، قادر . والعبد يسمى بهذه الأسماء ، وليس ما يثبت للرب من هذه الأسماء مماثلا لما يثبت للعبد فقل في صفاته نظير قولك في مسمى أسمائه . فان قال : وأنا لا أثبت له الأسماء الحسنى ، بل أقول : هي مجاز ، وهي أسماء لبعض مبتدعاته ، كقول غلاة الباطنية والمتفلسفة ! قيل له : فلا بد أن تعتقد أنه موجود وحق « 39 » قائم بنفسه ، والجسم موجود قائم بنفسه ، وليس هو مماثلا له . فان قال : أنا لا أثبت شيئا ، بل أنكر وجود الواجب . قيل له : معلوم بصريح العقل أن الموجود اما واجب بنفسه ، واما غير واجب بنفسه ، واما قديم أزلي ، واما حادث كائن بعد أن لم يكن ، واما مخلوق مفتقر إلى خالق ، واما غير مخلوق ولا مفتقر إلى خالق ، واما فقير إلى ما سواه ، واما غني عما سواه . وغير الواجب بنفسه لا يكون الا بالواجب بنفسه ، والحادث لا يكون الا بقديم ، والمخلوق لا يكون الا بخالق ، والفقير لا يكون الا بغني عنه ، فقد لزم على تقدير النقيضين وجود موجود واجب بنفسه قديم أزلي خالق [ غني ] عما سواه ، وما سواه بخلاف ذلك . وقد علم بالحس والضرورة وجود موجود حادث كائن بعد أن لم يكن ، والحادث لا يكون واجبا بنفسه ، ولا قديما أزليا ، ولا خالقا لما سواه ، ولا غنيّا عما سواه ، فثبت بالضرورة وجود موجودين : أحدهما واجب ، والآخر ممكن ،

--> ( 39 ) كذا الأصل ، ولعله : حي .