ابن أبي العز الحنفي

102

شرح العقيدة الطحاوية

أحدهما قديم ، والآخر حادث ، أحدهما غني ، والاخر فقير ، أحدهما خالق ، والاخر مخلوق . وهما متفقان في كون كل منهما شيئا موجودا ثابتا ، ومن المعلوم أيضا أن أحدهما ليس مماثلا للآخر في حقيقته ، إذ لو كان كذلك لتماثلا فيما يجب ويجوز ويمتنع ، وأحدهما يجب قدمه وهو موجود بنفسه ، والآخر لا يجب قدمه ولا هو موجود بنفسه ، وأحدهما خالق والاخر ليس بخالق ، وأحدهما غني عما سواه ، والاخر فقير . فلو تماثلا للزم أن يكون كل منهما واجب القدم ليس بواجب القدم ، موجودا بنفسه غير موجود بنفسه ، خالقا ليس بخالق ، غنيا غير غني ، فيلزم اجتماع الضدين على تقدير تماثلهما . فعلم أن تماثلهما منتف بصريح العقل ، كما هو منتف بنصوص الشرع . فعلم بهذه الأدلة اتفاقهما من وجه ، واختلافهما من وجه . فمن نفى ما اتفقا فيه كان معطلا قائلا بالباطل ، ومن جعلهما متماثلين كان مشبها قائلا بالباطل ، واللّه أعلم . وذلك . لأنهما وان اتفقا في مسمى ما اتفقا فيه ، فاللّه [ تعالى ] مختص بوجوده وعلمه وقدرته وسائر صفاته ، والعبد لا يشركه في شيء من ذلك ، والعبد أيضا مختص بوجوده وعلمه ، وقدرته ، واللّه تعالى منزه عن مشاركة العبد في خصائصه . وإذا اتفقا في مسمى الوجود والعلم والقدرة ، فهذا المشترك مطلق كلي يوجد في الأذهان لا في الأعيان ، والموجود في الأعيان مختص لا اشتراك فيه . وهذا موضع اضطراب فيه كثير من النظار ، حيث توهموا ان الاتفاق في مسمى هذه الأشياء يوجب أن يكون الوجود الذي للرب كالوجود الذي للعبد . وطائفة ظنت أن لفظ الوجود يقال بالاشتراك اللفظي ، وكابروا عقولهم ، فان هذه الأسماء عامة قابلة للتقسيم ، كما يقال : الموجود ينقسم إلى واجب وممكن ، وقديم وحادث . ومورد التقسيم مشترك بين الاقسام ، واللفظ المشترك كلفظ المشتري الواقع على المبتاع والكوكب ، لا ينقسم معناه ، ولكن يقال : لفظ المشتري يقال على كذا [ أو على كذا ] ، وأمثال هذه المقالات التي قد بسط الكلام عليها في موضعه .