الحلبي
531
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
كلامه . وعن فرقد السنجي « أنه ما دخل الحمام نبي قط » ويشكل عليه ما تقدم عن سليمان عليه الصلاة والسلام . واعترض بعضهم قول ابن القيم : لعله صلى اللّه عليه وسلم ما رأى الحمام بعينه بأنه صلى اللّه عليه وسلم دخل الشام وبها حمامات كثيرة فيبعد أنه ما رآها ، نعم لم ينقل أنه صلى اللّه عليه وسلم دخل شيئا منها . وفيه أنه قد يقال هو صلى اللّه عليه وسلم لم يدخل بلاد الشام إلا بصرى ، وجاز أن لا يكون بها حمام حين دخوله صلى اللّه عليه وسلم إليها . وفي الطبراني عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما مرفوعا « شر البيوت الحمام تعلو فيه الأصوات وتكشف فيه العورات فمن دخله لا يدخله إلا مستترا » ورجاله رجال الصحيح إلا شخص منهم فيه مقال ، وما أحسن قول الإمام الغزالي : ورد « نعم البيت الحمام يطهر البدن ، ويذهب الدرن ، ويذكر النار . وبئس البيت الحمام ، يبدي العورة ، ويذهب الحياء » فهذا تعرض لآفته ، وذلك تعرض لفائدته ، ولا بأس بطلب الفائدة مع التحرز عن الآفة . والحاصل أن الحمام تعتريه الأحكام الخمسة ، فيكون واجبا وحراما ومندوبا ومكروها ومباحا . والأصل فيه عندنا معاشر الشافعية الإباحة للرجال مع ستر العورة مكروه للنساء مع ستر العورة حيث لا عذر ، وهو محمل ما جاء « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر من نسائكم ، فلا يدخل الحمامات » ومع عدم ستر العورة حرام ؛ وهو محمل ما جاء « الحمام حرام على نساء أمتي » . وأول من اتخذ الحمام في القاهرة العزيز بن المعز العبيدي أحد الفواطم . قال بعضهم : ليس في شأن الحمام ما يعوّل عليه إلا قول المصطفى صلى اللّه عليه وسلم في صفة عيسى عليه الصلاة والسلام » كأنما خرج من ديماس » . وقال غيره : أصح حديث في هذا الباب حديث « اتقوا بيتا يقال له الحمام ، فمن دخله فليستتر » . وقال ابن عمر في وصف عيسى عليه الصلاة والسلام « إنما هو آدم » وحلف باللّه إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يقل في عيسى إنه أحمر ، وإنما قال آدم ، وإنما اشتبه على الراوي . وأجاب الإمام النووي بأن الراوي لم يرد حقيقة الحمرة بل ما قاربها : أي والحمرة المقاربة لها أي الأدمة يقال لها أدمة ، أي كما يقال لها حمرة فلا منافاة ، قال صلى اللّه عليه وسلم « جاعد الشعر » أي في شعره تثن وتكسر . أقول : ينبغي حمل جعد الذي جاء في بعض الروايات « وإذا هو بعيسى جعد » على هذا . ثم رأيت النووي قال : قال العلماء المراد بالجعد هنا جعودة الجسم ، وهو اجتماعه واكتنازه ، وليس المراد جعودة الشعر فليتأمل ، واللّه أعلم . « تعلوه صهية » أي يعلو شعره شقرة « كأنه عروة بن مسعود الثقفي » أي رضي اللّه تعالى عنه ، فإنه بعد