الحلبي
530
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وجاء من طرق عديدة كلها ضعيفة ، لكن يقوي بعضها بعضا « إن سليمان عليه الصلاة والسلام لما دخله ووجد حره وغمه قال : أوّاه من عذاب اللّه » لأن دخول الحمام يذكر النار ، لأن الحمام أشبه شيء بجهنم ، لأن النار أسفله ، والسواد والظلمة أعلاه . وقد قيل : خير الحمام ما قدم بناؤه ، واتسع فناؤه ، وعذب ماؤه . قال بعضهم : ويصير قديما بعد سبع سنين . قال بعضهم : ولم يعرف الحمام في بلاد الحجاز قبل البعثة ؟ وإنما عرفه الصحابة بعد موته صلى اللّه عليه وسلم بعد أن فتحوا بلاد العجم . وفيه أن في البخاري عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما لما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « أتدرون بيتا يقال له الحمام . قالوا : يا رسول اللّه إنه يذهب بالدرن ، وينفع المريض قال فاستتروا » وفي رواية أنه لما قال صلى اللّه عليه وسلم « اتقوا بيتا يقال له الحمام ، فقالوا : يا رسول اللّه إنه يذهب بالدرن ، وينفع المريض الوسخ ، ويذكر النار ، قال : إن كنتم لا بد فاعلين فمن دخله فليستتر » وهو صريح في أن الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم عرفوه في زمنه صلى اللّه عليه وسلم ، إلا أن يقال جاز أن يكونوا عرفوه من غيرهم بهذا الوصف لهم ، والمنفي في كلام هذا البعض معرفتهم له بالدخول فيه ، ويؤيده قوله صلى اللّه عليه وسلم بيتا يقال له الحمام ، وقوله صلى اللّه عليه وسلم « ستفتح عليكم أرض العجم ، وستجدون فيها بيوتا يقال لها الحمامات » . وأما ما جاء عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما « أنه صلى اللّه عليه وسلم دخل حمام الجحفة » فلا يرد لأنه على تقدير صحته ، فالمراد به أنه محلّ للاغتسال فيه لا بالهيئة المخصوصة وكذا لا يرد ما في معجم الطبراني الكبير عن أبي رافع أنه قال « مر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بموضع ، فقال : نعم موضع الحمام هذا » فبني فيه حمام لجواز أن يكون بني ذلك بعد موته صلى اللّه عليه وسلم ، فهو من أعلام نبوته . قال بعضهم : ولعله قال ذلك لقبح الموضع أي فقول بعضهم ويكفي ذلك في فضيلة الحمام ليس في محله . وفيه أن هذا البعض لم يعول في الفضيلة على هذا فقط ، بل عليه وعلى ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما الذي فيه لأنه يذهب بالدرن وينفع المريض . . ولا يرد أيضا ما في مسند أحمد عن أم الدرداء رضي اللّه تعالى عنها « أنها خرجت من الحمام فلقيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال لها من أين يا أم الدرداء ؟ قالت : من الحمام » لأن في سنده ضعيفا ومتروكا ، ولأنه يجوز أن يكون المراد به أنه محل الاغتسال لا أنه المبني على الهيئة المخصوصة كما تقدم . وبه يجاب أيضا عما في مسند الفردوس إن صح عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر رضي تعالى عنهما ، وقد خرجا من الحمام « طاب حمامكما » . قال ابن القيم : ولم يدخل المصطفى صلى اللّه عليه وسلم حماما قط ، ولعله ما رآه بعينه هذا