الحلبي
510
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وفي رواية « قالوا له صلى اللّه عليه وسلم أنه أمتك عن الاستنجاء بهما ، فإن اللّه تعالى قد جعل لنا فيهما رزقا ، فنهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الاستنجاء بالعظم والبعر » أي وحرمة نحو البول أو التغوط عليهما تعلم من ذلك بالأولى ، ومنه يعلم أن مرادهم بالتقذير التنجيس لا ما يشمل التقذير بالطاهر كالبصاق والمخاط . وعن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنهما قال « بينا أنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمشي إذ جاءت حية فقامت إلى جنبه صلى اللّه عليه وسلم وأدنت فاها من أذنه وكأنها تناجيه ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : نعم فانصرفت ، قال جابر : فسألته ، فأخبرني أنه رجل من الجن ، وأنه قال له مر أمتك لا يستنجوا بالروث ولا بالرمة : أي العظم ، لأن اللّه تعالى جعل لنا في ذلك رزقا » ولعل هذا الرجل من الجن لم يبلغه أنه صلى اللّه عليه وسلم نهى عن ذلك . ولا يخفى أن سؤال الزاد يقتضي أن ذلك لم يكن زادهم وزاد دوابهم قبل ذلك . وحينئذ يسأل ما كان زادهم قبل ذلك ؟ وقد يقال : هو كل ما لم يذكر اسم اللّه عليه من طعام الآدميين ، وحينئذ يكون ما تقدم في خبر إبليس المراد بما لم يذكر اسم اللّه عليه غير العظم فليتأمل ، والنهي عن الاستنجاء يدل على أن ذلك لا يختص بحالة السفر بل هو زادهم بعد ذلك دائما وأبدا . وقصة جابر هذه سيأتي في غزوة تبوك نظيرها « وهو أن حية عظيمة الخلق عارضتهم في الطريق ، فانحاز الناس عنها ، فأقبلت حتى وقفت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو على راحلته طويلا والناس ينظرون إليها ، ثم التوت حتى اعتزلت الطريق فقامت قائمة ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أتدرون من هذا ؟ قالوا : اللّه ورسوله أعلم ، قال : هذا أحد الرهط الثمانية من الجن الذين وفدوا إليّ يستمعون القرآن » قال في المواهب : وفي هذ ردّ على من زعم أن الجن لا تأكل ولا تشرب : أي وإنما يتغذون بالشم . أقول : ذكرت في كتابي « عقد المرجان فيما يتعلق بالجان » أن في أكل الجن ثلاثة أقوال : قيل يأكلون بالمضغ والبلع ، ويشربون بالازدراد . والثاني لا يأكلون ولا يشربون بل يتغذون بالشم . والثالث أنهم صنفان : صنف يأكل ويشرب ، وصنف لا يأكل ولا يشرب ، وإنما يتغذون بالشم وهو خلاصتهم ، واللّه أعلم . « قال ابن مسعود : فلما ولوا قلت من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء جن نصيبين » وفي رواية « فتوارى عني حتى لم أره ، فلما سطع الفجر أقبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال لي : أراك قائما ، فقلت ما قعدت ، فقال : ما عليك لو فعلت أي قعدت ؟ قلت : خشيت أن أخرج منه فقال : أما إنك لو خرجت لم ترني ولم أرك إلى يوم القيامة » أي وفي رواية « لم آمن عليك أن يخطفك بعضهم » وفيه أن الخروج لا ينشأ عن القعود حتى يخشى منه الخروج . وفي رواية « قال لي : أنمت ؟ فقلت : لا واللّه يا رسول اللّه ، ولقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس ، أي لما تراكموا عليك ، وسمعت منهم لغطا شديدا