الحلبي

511

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

حتى خفت عليك إلى أن سمعتك تقرعهم بعصاك وتقول : اجلسوا ، وسأله عن سبب اللغط الشديد الذي كان منهم ، فقال : إن الجن تداعت في قتيل قتل بينهم فتحاكموا إليّ ، فحكمت بينهم بالحق » . وفي رواية عن سعيد بن جبير أنه أي ابن مسعود قال له : أولئك جن نصيبين ، وكانوا اثني عشر ألفا ، والسورة التي قرأها عليهم اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [ العلق : الآية 1 ] أي ولا ينافي ذلك ما جاء عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه أنه افتتح القرآن ، لأن المراد بالقرآن القراءة . زاد ابن مسعود على ما في بعض الروايات « ثم شبك أصابعه في أصابعي ، وقال : إني وعدت أن تؤمن بي الجن والإنس ، أما الإنس فقد آمنت ، وأما الجن فقد رأيت » . أقول : وفي هذا أن ابن مسعود لم يخرج من الدائرة التي اختطها له صلى اللّه عليه وسلم وفي السيرة الهشامية ما يقتضي أنه خرج منها حيث قال عن ابن مسعود « فجئتهم فرأيت الرجال ينحدرون عليه صلى اللّه عليه وسلم من الجبال ، فازدحموا عليه إلى آخره » فليتأمل . فعلم أن هذه القصة بعد كل من قصة ابن عباس وقصة رجوعه صلى اللّه عليه وسلم من الطائف ، فإن قصة ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما كانت في أول البعث ، وقصة رجوعه صلى اللّه عليه وسلم من الطائف بعدها بمدة مديدة كما علمت ، وهذه القصة كانت بعدهما بمكة واللّه أعلم « ثم قال صلى اللّه عليه وسلم لابن مسعود : هل معك وضوء أي ماء نتوضأ به ؟ قلت لا ، فقال : ما هذه الإداوة أي وهي إناء من جلد ؟ قلت فيها نبيذ ؟ قال : ثمرة طيبة وماء طهور صبّ عليّ ، فصببت عليه فتوضأ وأقام الصلاة وصلى » . أقول : وهو محمول عند أئمتنا معاشر الشافعية على أن الماء لم يتغير بالتمر تغيرا كثيرا يسلب اسم الماء ، ومن ثم قال ماء طهور ، وقول ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه فيها نبيذ أي منبوذ الذي هو التمر ، وسماه نبيذا باعتبار الأول على حد قوله تعالى إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً [ يوسف : الآية 36 ] وهذا بناء على فرض صحة الحديث ، وإلا فقد قال بعضهم : حديث النبيذ ضعيف باتفاق المحدثين . وفي كلام الشيخ محيي الدين بن العربي رضي اللّه تعالى عنه : الذي أقول به منع التطهر بالنبيذ ، لعدم صحة الخبر المروي فيه ، ولو أن الحديث صح لم يكن نصا في الوضوء به فإنه صلى اللّه عليه وسلم قال « ثمرة طيبة وماء طهور » ، أي قليل الامتزاج والتغير عن وصف الماء ، وذلك لأن اللّه تعالى ما شرع الطهارة عند فقد الماء إلا بالتيمم بالتراب خاصة . قال : ومن شرف الإنسان أن اللّه تعالى جعل له التطهر بالتراب ، وقد خلقه اللّه من تراب فأمره بالتطهر أيضا به تشريفا له . وعند أحمد ومسلم والترمذي عن علقمة « قلت لابن مسعود هل صحب النبي صلى اللّه عليه وسلم ليلة الجن منكم أحد ؟ فقال : ما