الحلبي

477

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

فلما علمت قريش ذلك ، أجمع رأيهم على أن يكتبوا عهودا ومواثيق ، على أن لا يجالسوهم » الحديث . وفيه أنه سيأتي أن خروج عمرو بن العاص إلى الحبشة إنما كان بعد الهجرة الثانية ، وهي بعد دخول بني هاشم والمطلب إلى الشعب ، واللّه أعلم . باب الهجرة الثانية إلى الحبشة لا يخفى أنه لما وقع ما ذكر انطلق إلى الحبشة عامة من آمن باللّه ورسوله : أي غالبهم ، فكانوا عند النجاشي ثلاثة وثمانين رجلا وثماني عشرة امرأة ، وهذا بناء على أن عمار بن ياسر كان منهم . وقد اختلف في ذلك ، وكلام الأصل يميل إلى ذلك ، وكان من الرجال جعفر بن أبي طالب ومعه زوجته أسماء بنت عميس ، والمقداد بن الأسود ، وعبد اللّه بن مسعود وعبيد اللّه بالتصغير ابن جحش ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان ، فتنصر هناك ثم مات على النصرانية : أي وبقيت أم حبيبة رضي اللّه تعالى عنها على إسلامها ، وتزوجها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كما سيأتي . وعن أم حبيبة رضي اللّه تعالى عنها قالت « رأيت في المنام كأن عبيد اللّه بن جحش زوجي بأسوإ حال وتغيرت صورته ، فإذا هو يقول حين أصبح : يا أم حبيبة إني نظرت في هذا الدين فلم أر دينا خيرا من دين النصرانية ، وقد كنت دنت بها ثم دخلت في دين محمد ثم خرجت إلى دين النصرانية ، قالت : فقلت واللّه ما خير لك ، وأخبرته بما رأيته له فلم يحفل بذلك وأكب على الخمر يشربه حتى مات ، فرأيت في المنام كأنّ آتيا يقول لي : يا أم المؤمنين ففزعت وأولتها بأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتزوجني ، فكان كذلك . أي وذكر ابن إسحاق أن أبا موسى الأشعري هاجر إلى الحبشة ، ومراده أنه هاجر إليها من اليمن لا من مكة كما فهم الواقدي ، فاعترض عليه في ذلك . فعن أبي موسى « أنه بلغه مخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو باليمن ، فخرج هو ونحو خمسين رجلا في سفينة مهاجرين إليه صلى اللّه عليه وسلم ، فألقتهم السفينة إلى النجاشي بالحبشة ، فوجدوا جعفرا وأصحابه ، فأمرهم جعفر بالإقامة ، واستمروا كذلك حتى قدموا عليه صلى اللّه عليه وسلم هم وجعفر عند فتح خيبر كما سيأتي . وبهذا يندفع قول بعضهم : ما ذكره ابن إسحاق من أن أبا موسى الأشعري هاجر من مكة إلى الحبشة من الغريب جدا ، ولعله مدرج من بعض الرواة ، فأقاموا بخير دار عند خير جار ، فبعثت قريش خلفهم عمرو بن العاص ومعه عمارة بن الوليد بن المغيرة التي أرادت قريش دفعه لأبي طالب ليكون بدلا عن النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا