الحلبي

478

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

قتلوه بهدية إلى النجاشي والهدية فرس وجبة ديباج : أي وأهدوا لعظماء الحبشة هدايا ليرد من جاء إليه من المسلمين ، فلما دخلا عليه سجدا له وقعد واحد من يمينه والآخر عن شماله . وفي كلام بعضهم : فأجلس عمرو بن العاص على سريره وقبل هديتهما ، فقالا : إن نفرا من بني عمنا نزلوا أرضك فرغبوا عنا وعن آلهتنا : أي ولم يدخلوا في دينكم ، بل جاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم ، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قريش لتردوهم إليهم قال : وأين هم ؟ قالوا بأرضك ، فأرسل في طلبهم : أي وقال له عظماء الحبشة : ادفعهم إليهما فهما أعرف بحالهم ، فقال : لا واللّه حتى أعلم على أي شيء هم ؟ فقال عمرو : هم لا يسجدون للملك : أي وفي لفظ لا يخرون لك ولا يحيونك بما يحييك الناس إذا دخلوا عليك رغبة عن سنتكم ودينكم ، فلما جاءوا قال لهم جعفر رضي اللّه تعالى عنه : أنا خطيبكم اليوم : أي فإنه لما جاءهم رسول النجاشي يطلبهم اجتمعوا ، ثم قال بعضهم لبعض : ما تقولون للرجل إذا جئتموه . قال جعفر ما ذكر ، وقال : إنما نقول ما علمنا وما أمرنا به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ودع يكون ما يكون ، وقد كان النجاشي دعا أساقفته وأمرهم بنشر مصاحفهم حوله ، فلما جاء جعفر وأصحابه صاح جعفر ، وقال : جعفر بالباب يستأذن ومعه حزب اللّه ، فقال النجاشي : نعم يدخل بأمان اللّه وذمته ، فدخل عليه ودخلوا خلفه فسلم ، فقال له الملك : ما لك لا تسجد ؟ . وفي لفظ : إن عمرا قال لعمارة : ألا ترى كيف يكتنون بحزب اللّه وما أجابهم به ، وإن عمرا قال للنجاشي : ألا ترى أيها الملك أنهم مستكبرون لم يحيوك بتحيتك ، فقال النجاشي : ما منعكم أن لا تسجدوا وتحيوني بتحيتي التي أحيى بها ، فقال جعفر : إنا لا نسجد إلا للّه عز وجل ، قال : ولم ذلك ؟ قال : لأن اللّه تعالى أرسل فينا رسولا ، وأمرنا أن لا نسجد إلا للّه عز وجل ، وأخبرنا أن تحية أهل الجنة السلام فحييناك بالذي يحيي به بعضنا بعضا : أي وعرف النجاشي ذلك ، لأنه كذلك في الإنجيل كما قيل : أي وأمرنا بالصلاة أي غير الخمس ، لأنها لم تكن فرضت ، بل التي هي ركعتان بالغداة وركعتان بالعشي : أي ركعتان قبل طلوع الشمس ، وركعتان قبل غروبها على ما تقدم . والزكاة : أي مطلق الصدقة ، لا زكاة المال لأنها إنما فرضت بالمدينة أي في السنة الثانية ، ومراده بالزكاة الطهارة ، قال عمرو بن العاص للنجاشي : فإنهم يخالفونك في ابن مريم ، ولا يقولون إنه ابن اللّه عز وجل وعلا . قال : فما تقولون في ابن مريم وأمه ؟ قالوا : نقول كما قال اللّه عز وجل : روح اللّه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء : أي البكر البتول : أي المنقطعة عن الأزواج ، التي لم يمسها بشر ، ولم يفرضها أي يشقها . ويخرج منها ولد : أي غير عيسى صلى اللّه على