الحلبي
476
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في الكعبة : أي توكيدا على أنفسهم . وقيل كانت عند خالة أبي جهل . وقد يجمع بأنه يجوز أن تكون كانت عندها قبل أن تعلق في الكعبة على أنه سيأتي أنه يجوز أن الصحيفة تعددت ، وكان اجتماعهم وتحالفهم في خيف بني كنانة بالأبطح ويسمى محصبا ، وهو بأعلى مكة عند المقابر ، فدخل بنو هاشم وبنو المطلب مؤمنهم وكافرهم الشعب إلا أبا لهب فإنه ظاهر عليهم قريشا ، وكان سنه صلى اللّه عليه وسلم حين دخل الشعب ستة وأربعين سنة . وفي الصحيح « أنهم في الشعب جهدوا كانوا يأكلون الخبط وورق الشجر » . وفي كلام السهيلي : كانوا إذا قدمت العير مكة يأتي أحدهم السوق ليشتري شيئا من الطعام يقتاته ، فيقوم أبو لهب فيقول : يا معشر التجار غالوا على أصحاب محمد حتى لا يدركوا شيئا معكم ، فقد علمتم مالي ووفاء ذمتي ، فيزيدون عليهم في السلعة قيمتها أضعافا حتى يرجع إلى أطفاله وهم يتضاغون من الجوع ، وليس في يده شيء يعللهم به ، فيغدو التجار على أبي لهب فيربحهم ، هذا كلامه . ولا منافاة بين خروج أحدهم السوق إذا جاءت العير بالميرة إلى مكة ، وكونهم منعوا من الأسواق والمبايعة لهم كما لا يخفى . وكان دخولهم الشعب هلال المحرم سنة سبع من النبوة ، وحينئذ أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من كان بمكة من المسلمين أن يخرجوا إلى الحبشة . أقول : وفي رواية « أن خروج بني هاشم وبني المطلب إلى الشعب لم يكن بإخراج قريش لهم ، وإنما خرجوا إليه لأن قريشا لما قدم عليهم عمرو بن العاص من عند النجاشي خائبا ، وردت معه هديتهم ، وفقد صاحبه الذي هو عمارة بن الوليد ، وبلغهم إكرام النجاشي لجعفر ومن معه من المسلمين : أي كما سيأتي ، وظهور الإسلام في القبائل ، كبر ذلك عليهم ، واشتد أذاهم على المسلمين ، واجتمع رأيهم على أن يقتلوا النبي صلى اللّه عليه وسلم علانية ، فلما رأى أبو طالب ذلك جمع بني هاشم والمطلب مؤمنهم وكافرهم ، وأمرهم أن يدخلوا برسول اللّه عليه الصلاة والسلام الشعب ويمنعوه ففعلوا ، فبنو هاشم وبنو المطلب كانوا شيئا واحدا ، لم يفترقوا حتى دخلوا معهم في الشعب ، وانخذل عنهم بنو عميهم عبد شمس ونوفل ، ولهذا يقول أبو طالب في قصيدته : جزى اللّه عنا عبد شمس ونوفلا * عقوبة شر عاجلا غير آجل وقال في قصيدة أخرى : جزى اللّه عنا عبد شمس ونوفلا * وتيما ومخزوما عقوقا ومأثما