الحلبي
458
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وفي لفظ عن أم عبد اللّه زوج عامر قالت : إنا لنرحل إلى أرض الحبشة ، وقد ذهب عامر ، تعني زوجها ، إلى بعض حاجته ، إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف عليّ وكنا نتقي منه الأذى والبلاء والشدة علينا ، فقال : إنه لخروج يا أم عبد اللّه ، فقلت : واللّه لنخرجن إلى أرض فقد آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل اللّه لنا مخرجا وفرجا ، فقال : صحبكم اللّه ، ورأيت له رقة لم أكن أراها ، ثم انصرف وتفرست فيه حزنا لخروجنا ، وقلت لعامر : يا أبا عبد اللّه لو رأيت ما وقع من عمر وذكرت ما تقدم . وممن هاجر أبو سبرة ، وهو أخو أبي سلمة رضي اللّه تعالى عنهما لأمه ، أمهما برة بنت عبد المطلب عمة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، هاجر ومعه امرأته أم كلثوم . وممن هاجر بنفسه عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن مظعون رضي اللّه تعالى عنهما : أي وكان أميرا عليهم كما قيل ، وجزم به ابن المحدث في سيرته . وقال الزهري : لم يكن لهم أمير . وسهيل ابن البيضاء : أي والزبير بن العوام وعبد اللّه بن مسعود رضي اللّه تعالى عنهم . وقيل إنما كان عبد اللّه بن مسعود في الهجرة الثانية فخرجوا سرا : أي متسللين ، منهم الراكب ، ومنهم الماشي حتى انتهوا إلى البحر ، فوفق اللّه تعالى لهم سفينتين للتجار حملوهم فيهما بنصف دينار : أي وفي المواهب : وخرجوا مشاة إلى البحر ، فاستأجروا سفينة بنصف دينار ؛ هذا كلامه فليتأمل . وكان مخرجهم في رجب من السنة الخامسة من النبوة ، فخرجت قريش في آثارهم حتى جاءوا إلى البحر ، فلم يجدوا أحدا منهم ، ولعل خروجهم سرا لا ينافيه ما تقدم عن ليلى امرأة عامر بن ربيعة من سؤال عمر لها وإخبارها له بأنها تريد أرض الحبشة ، فلما وصلوا إلى أرض الحبشة نزلوا بخير دار عند خير جار ، فمكثوا في أرض الحبشة بقية رجب وشعبان إلى رمضان ، فلما كان شهر رمضان قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على المشركين وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ( 1 ) [ النّجم : الآية 1 ] أي وقد أنزلت عليه في ذلك الوقت . ففي كلام بعضهم « جلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوما مع المشركين ، وأنزل اللّه تعالى عليه سورة وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ( 1 ) [ النّجم : الآية 1 ] فقرأها عليهم حتى إذا بلغ أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ( 19 ) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ( 20 ) [ النجم : الآية : 19 ] وسوس إليه الشيطان بكلمتين ، فتكلم بهما ظانا أنهما من جملة ما أوحي إليه ، وهما : تلك الغرانيق العلى : أي الأصنام ، وإن شفاعتهن لترتجى » وفي لفظ : « لهي التي ترتجى » شبهت الأصنام بالغرانيق التي هي طير الماء ، جمع غرنوق بكسر الغين المعجمة وإسكان الراء ثم نون مفتوحة ، أو غرنوق بضم الغين والنون أيضا ، أو غرنوق بضم الغين وفتح النون : وهو طير طويل العنق وهو الكركي أو يشبهه . ووجه الشبه بين الأصنام وتلك الطيور أن تلك الطيور تعلو وترتفع في السماء ، فالأصنام شبهت بها في علو القدر وارتفاعه ثم مضى يقرأ السورة