الحلبي
459
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
حتى بلغ السجدة فسجد وسجد القوم جميعا : أي المسلمون والمشركون . أقول : قال بعضهم : ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان ، وإنما سمع ذلك المشركون فسجدوا لتعظيم آلهتهم ، ومن ثم عجب المسلمون من سجود المشركين معهم من غير إيمان . قال بعضهم : والنجم هي أول سورة نزل فيها سجدة : أي أول سورة نزلت جملة كاملة فيها سجدة فلا ينافي أن اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [ العلق : الآية 1 ] سورة نزلت فيها سجدة ، لأن النازل منها أوائلها كما علمت . وقد جاء « أنه صلى اللّه عليه وسلم قرأ يوما اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [ العلق : الآية 1 ] فسجد في آخرها وسجد معه المؤمنون فقام المشركون على رؤوسهم يصفقون » . وقد روى أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه « أنه صلى اللّه عليه وسلم سجد في النجم : أي غير سجدته المتقدمة التي سجد معه المشركون » ومجموع ذلك يردّ حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما « أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يسجد في شيء من المفصل قبل أن يتحول إلى المدينة » لأن سورة النجم من المفصل ، لأن عند أئمتنا أن أول المفصل الحجرات على الراجح من أقوال عشرة . لا يقال : لعل ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما ممن يرى أن النجم ليس من المفصل . لأنا نقول اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [ العلق : الآية 1 ] من المفصل اتفاقا . وعلى ما قال أئمتنا يكون في المفصل ثلاث سجدات : في النجم والانشقاق اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [ العلق : الآية 1 ] وهي أي النجم أول سورة أعلنها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمكة . وذكر الحافظ الدمياطي « أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان رأى من قومه كفا عنه : أي تركا وعدم تعرض له ، فجلس خاليا فتمنى ، فقال : ليته لم ينزل عليّ شيء ينفرهم عني » وفي رواية : « تمنى أن ينزل عليه ما يقارب بينه وبينهم حرصا على إسلامهم ، وقارب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قومه ودنا منهم ودنوا منه ، فجلس يوما مجلسا في ناد من تلك الأندية حول الكعبة ، فقرأ عليهم وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ( 1 ) [ النّجم : الآية 1 ] » إلى آخر ما تقدم واللّه أعلم . ومن جملة من كان من المشركين حينئذ الوليد بن المغيرة لكنه رفع ترابا إلى جبهته فسجد عليه ، لأنه كان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود . وقيل الذي فعل ذلك ، سعيد بن العاص ، ويقال كلاهما فعل ذلك ، وقيل الفاعل لذلك أمية بن خلف وصحح ، وقيل عتبة بن ربيعة ، وقيل أبو لهب ، وقيل المطلب . وقد يقال : لا مانع أن يكونوا فعلوا ذلك جميعا ، بعضهم فعل ذلك تكبرا ،