الحلبي
439
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
ونمو فاق الحصر ، فأطالوا في تلك السور الشك فقالوا سحر وتمويه لا حقيقة له ، وقالوا مرة أخرى أساطير الأولين ، وإذا كانت الحجج والبراهين لم تفدهم شيئا من الهدى ، فطلب الهدى منهم بتلك الحجج تعب لا يفيد شيئا ، وإذا ضلت العقول عن طرق الحق مع علم منها بتلك الطرق فأي قول يقوله الفصحاء : أي وقال الوليد بن المغيرة يوما : أينزل القرآن على محمد ، وأترك أنا وأنا كبير قريش وسيدها ، ويترك أبو مسعود الثقفي سيد ثقيف ونحن عظماء القريتين : أي مكة والطائف ؟ فأنزل اللّه تعالى وَقالُوا لَوْ لا [ الأنعام : الآية 8 ] أي هلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ( 31 ) [ الزخرف : الآية 31 ] أي أعظم وأشرف من محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فرد اللّه تعالى عليهم بقوله : أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [ الزّخرف : الآية 32 ] الآية . وفي لفظ قال بعضهم : « كان الأحق بالرسالة الوليد بن المغيرة من أهل مكة أو عروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف » . ثم لا يخفى أن كفار قريش بعثوا مع النضر بن الحارث عقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة وقالوا لهما : أسألهم عن محمد وصفا لهم صفته وأخبراهم بقوله ، فإنهم أهل الكتاب الأول : أي التوراة ، لأنه قبل الإنجيل وعندهم علم ليس عندنا ، فخرجا ، حتى قدما المدينة وسألا أحبار يهود : أي قالا لهم : أتيناكم لأمر حدث فينا ، منا غلام يتيم حقير يقول قولا عظيما ، يزعم أنه رسول اللّه . وفي لفظ « رسول الرحمن ، قالوا صفوا لنا صفته ، فوصفوا ، قالوا فمن يتبعه منكم ؟ قالوا سفلتنا ، فضحك حبر منهم وقالوا : هذا النبي الذي نجد نعته ونجد قومه أشد الناس له عداوة . قالت لهم أحبار اليهود : سلوه عن ثلاث ، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل ، وإن لم يفعل فالرجل متقول . سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول : أي وهم أهل الكهف ما كان من أمرهم ؟ فإنه قد كان لهم حديث عجيب . وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها : أي وهو ذو القرنين ما كان نبؤه ؟ وسلوه عن الروح ما هي ؟ فإذا أخبركم بذلك : أي بحقيقة الأولين وبعارض من عوارض الثالث ، وهو كونها من أمر اللّه فاتبعوه فإنه نبي ، فرجع النضر وعقبة إلى قريش وقالا لهم : قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد وأخبراهم الخبر ، فجاؤوا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وسألوه عن ذلك ، فقال لهم عليه الصلاة والسلام : أخبركم غدا ، ولم يستثن : أي لم يقل إن شاء اللّه تعالى وانصرفوا ، فمكث صلى اللّه عليه وسلم خمسة عشرة يوما ، وقيل ثلاثة أيام ، وقيل أربعة أيام لا يأتيه الوحي ، وتكلمت قريش في ذلك بما أخبر به النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقالوا : إن محمدا قلاه ربه وتركه : أي ومن جملة من قال ذلك له صلى اللّه عليه وسلم أم جميل امرأة عمه أبي لهب ، قالت له : ما أرى صاحبك إلا وقد ودعك وقلاك : أي تركك وبغضك . وفي رواية قالت : امرأة من قريش : أبطأ عليه شيطانه ، وشقّ عليه صلى اللّه عليه وسلم ذلك منهم . ثم جاءه