الحلبي
386
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
أخاف أن تعيرني نساء قريش لا تبعته . وعن عفيف الكندي رضي اللّه تعالى عنه قال : كنت امرأ تاجرا قدمت للحج ، وأتيت العباس بن عبد المطلب لأبتاع منه بعض التجارة ، وكان العباس لي صديقا ، وكان يختلف إلى اليمن يشتري العطر ويبيعه أيام الموسم ، فبينما أنا عند العباس بمنى : أي وفي لفظ بمكة في المسجد إذا رجل مجتمع : أي بلغ أشده خرج من خباء قريب منه ، فنظر إلى الشمس ، فلما رآها مالت توضأ فأسبغ الوضوء : أي أكمله ثم قام يصلي : أي إلى الكعبة كما في بعض الروايات ، ثم خرج غلام مراهق : أي قارب البلوغ فتوضأ ثم قام إلى جنبه يصلي ، ثم جاءت امرأة من ذلك الخباء فقامت خلفهما ، ثم ركع الرجل وركع الغلام وركعت المرأة ، ثم خر الرجل ساجدا وخر الغلام وخرت المرأة ، فقلت : ويحك يا عباس ما هذا الدين ؟ فقال : هذا دين محمد بن عبد اللّه أخي ، يزعم أن اللّه بعثه رسولا ، وهذا ابن أخي علي بن أبي طالب ، وهذه امرأته خديجة ، قال عفيف بعد أن أسلم : يا ليتني كنت رابعا » أي ولعل زيد بن حارثة لم يكن موجودا عندهم في ذلك الوقت ، فلا ينافي أنه كان يصلي معهم أو أن ذلك كان قبل إسلامه ، لأنه سيأتي قريبا أن إسلامه كان قبل إسلام علي ، وكذا أبو بكر لم يكن موجودا عندهم ، بناء على أن إسلامه كان قبل إسلام علي ، ويؤيده ما قيل : أول من صلى مع النبي صلى اللّه عليه وسلم أبو بكر ، لكن في الإستيعاب لابن عبد البر أن العباس قال لعفيف الكندي لما قال له ما هذا الذي يصنع ؟ قال : يصلي ، وهو يزعم أنه نبي ، ولم يتبعه على أمره إلا امرأته وابن عمه هذا الغلام . وفيه أن عليا قال : لقد عبدت اللّه قبل أن يعبده أحد من هذه الأمة خمس سنين ، أي ولعل المراد أنه عبده بغير الصلاة . وقوله في هذا الحديث : فنظر إلى الشمس ، فلما رآها مالت توضأ وصلى قد يخالف ما تقدم من أن فرض الصلاة كان ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي قبل غروب الشمس فقط . أقول : قد يقال لا مخالفة ، لأنه يجوز أن تكون صلاته في الوقت ليست مما فرض عليه ، والجماعة في ذلك جائزة ، وقد فعلها صلى اللّه عليه وسلم في النقل المطلق ، وهذا يدل على أن الجماعة كانت مشروعة بمكة حتى في صدر الإسلام قبل فرض الصلوات الخمس . وفي كلام بعض فقهائنا أنها لم تشرع إلا في المدينة دون مكة لقهر الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم ، إلا أن يقال المراد بمشروعيتها طلبها ، فكانت في المدينة مطلوبة استحبابا أو وجوبا ، كفاية أو عينا على الخلاف عندنا في ذلك ، وفي مكة كانت مباحة ، لكن في كلام بعض آخر من فقهائنا أن الجماعة لم تفعل بمكة لقهر