الحلبي
367
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
ونص هذه الرواية « كان الوحي يأتيني على نحوين ، يأتيني جبريل فيلقيه عليّ كما يلقي الرجل على الرجل ، فذلك ينفلت مني . ويأتيني في شيء مثل صوت الجرس حتى يخالط قلبي ، فذاك الذي لا ينفلت مني » . قيل وإنما كان ينفلت منه في الحالة الأولى لشدة تأنسه بحامله ، لأنه يأتي إليه في صورة يعهدها ويخاطبه بلسان يعهده ، فلا يثبت فيما ألقي إليه بخلافه في الحالة الثانية ، لأن سماع مثل هذا الصوت الذي يفزع منه القلب مع عدم رؤية أحد يخاطبه إذا علم أنه وحي اضطر إلى التثبت في ذلك ، وقولنا : أي حامله يخالف قول الحافظ ابن حجر حيث ذكر أن قوله مثل صلصلة الجرس بين بها صفة الوحي لا صفة حامله . وفيه أن ذلك لا يناسب قوله وقد وعيت ما قال ، وقول بعضهم : الصلصلة المذكورة هي صوت الملك بالوحي ، وقوله : « يأتيني أحيانا له صلصلة كصلصلة الجرس ، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا » وكان صلى اللّه عليه وسلم يجد ثقلا عند نزول الوحي ، ويتحدر جبينه عرقا في البرد كأنه الجمان ، وربما غط كغطيط البكر محمرة عيناه . وعن زيد بن ثابت رضي اللّه تعالى عنه « كان إذا نزل الوحي على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثقل لذلك . ومرة وقع فخذه على فخذي ، فو اللّه ما وجدت شيئا أثقل من فخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وربما أوحي إليه وهو على راحلته فترعد حتى يظن أن ذراعها ينفصم وربما بركت » . أي وجاء « أنه لما نزلت سورة المائدة عليه صلى اللّه عليه وسلم كان على ناقته فلم تستطع أن تحمله ، فنزل عنها » . وفي رواية « فاندق كتف راحلته العضباء من ثقل السورة » ولا يخالفه ما قبله لأنه جاز أن يكون حصل لها ذلك فكان سببا لنزوله ثم رأيت في رواية ما يصرح بذلك . وجاء « ما من مرة يوحي إلي إلا ظننت أن نفسي تقبض منه » وعن أسماء بنت عميس « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ انزل عليه الوحي يكاد يغشى عليه » وفي رواية « يصير كهيئة السكران » . أقول : أي يقرب من حال المغشي عليه لتغيره عن حالته المعهودة تغيرا شديدا حتى تصير صورته صورة السكران : أي مع بقاء عقله وتمييزه . ولا ينافي ذلك قول بعضهم : ذكر العلماء أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يؤخذ عن الدنيا ، لأنه يجوز أن يكون مع ذلك على عقله وتمييزه على خلاف العادة ، وهذا هو اللائق بمقامه صلى اللّه عليه وسلم ، وحينئذ لا ينتفض وضوءه . ثم رأيت صاحب الوفاء قال : فإن قال قائل ما كان يجري عليه صلى اللّه عليه وسلم من البرحاء حين نزول الوحي هل ينتفض وضوءه ؟