الحلبي

368

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

والجواب لا ، لأنه صلى اللّه عليه وسلم كان محفوظا في منامه ، تنام عيناه ولا ينام قلبه ، فإذا كان النوم الذي يسقط فيه الوكاء لا ينقض وضوءه فالحالة التي أكرم فيها بالمسارة وإلقاء الهدى إلى قلبه أولى ، لكون طباعه فيها معصومة من الأذى هذا كلامه . وما ذكرناه أولى ، لما تقرر أن الإغماء أبلغ من النوم فليتأمل . وفي كلام الشيخ محيي الدين ما يدل على أنه صلى اللّه عليه وسلم وجميع من يأتيه الوحي من الأنبياء كان إذا جاءه الوحي يستلقي على ظهره حيث قال : سبب اضطجاع الأنبياء على ظهورهم عند نزول الوحي إليهم أن الوارد الإلهي الذي هو صفة القيومية إذا جاءهم اشتغل الروح الإنساني عن تدبيره ، فلم يبق للجسم من يحفظ عليه قيامه ولا قعوده ، فرجع إلى أصله وهو لصوقه بالأرض . وعن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي صدع فيغلف رأسه بالحناء » قيل وهو محمل قول بعض الصحابة إنه صلى اللّه عليه وسلم كان يخضب بالحناء ، وإلا فهو عليه الصلاة والسلام لم يخضب ، لأنه لم يبلغ سنا يخضب فيه . وفيه أنه أمر بالخضاب للشباب ، فقد جاء « اختضبوا بالحناء ، فإنه يزيد في شبابكم وجمالكم ونكاحكم » وفي مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه : « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي لم يستطع أحد منا يرفع طرفه إليه حتى ينقضي الوحي » وفي لفظ « كان إذا نزل عليه صلى اللّه عليه وسلم الوحي استقبلته الرعدة » وفي رواية « كرب لذلك وتربد له وجهه ، وغمض عينيه ، وربما غط كغطيط البكر » . وعن زيد بن ثابت رضي اللّه تعالى عنه : « كان إذا نزل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم السورة الشديدة أخذه من الشدة والكرب على قدر شدة السورة ، وإذا أنزل عليه السورة اللينة أصابه من ذلك على قدر لينها » . وعن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه : « كان إذا نزل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل » . وذكر الحافظ ابن حجر أن دوي النحل لا يعارض صلصلة الجرس : أي المتقدم ذكرها ، لأن سماع الدوي بالنسبة للحاضرين . والصلصلة بالنسبة إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فالراوي شبه بدويّ النحل ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم شبه بصلصلة الجرس : أي فالمراد بهما شيء واحد ، واللّه أعلم . ومن حالاته : أي حالات الوحي أي حامله أنه كان يأتيه على صورته التي خلقه اللّه تعالى عليها له ستمائة جناح . أقول : فيوحى إليه في تلك الحالة كما هو المتبادر . وفيه أنه جاء عن عائشة وابن مسعود رضي اللّه تعالى عنهما « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم ير جبريل على صورته التي