الحلبي

366

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

واعلم أن من حالات الوحي النفث : أي أنه كان ينفث في روعه الكلام نفثا قال صلى اللّه عليه وسلم : « إن روح القدس » أي المخلوق من الطهارة يعني جبريل « نفث » أي ألقى . والنفث في الأصل : النفخ اللطيف الذي لا ريق معه « في روعي » بضم الراء : أي قلبي « أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها ورزقها ، فاتقوا اللّه وأجملوا في الطلب » أي عاملوا بالجميل في طلبكم ، وتتمته « ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية اللّه » أي كالكذب « فإن ما عند اللّه لن ينال إلا بطاعته » . وفي كلام ابن عطاء اللّه : الإجمال في الطلب يحتمل وجوها كثيرة : منها أن لا يطلبه مكبا عليه مشتغلا عن اللّه تعالى به . ومنها أن يطلبه من اللّه تعالى ولا يعين قدرا ولا وقتا ، لأن من طلب وعين قدرا أو وقتا فقد تحكم على ربه وأحاطت الغفلة بقلبه . ومنها أن يطلب وهو شاكر للّه إن أعطى ، وشاهد حسن اختياره إذا منع . ومنها أن يطلب من اللّه تعالى ما فيه رضاه ، ولا يطلب ما فيه حظوظ دنياه . ومنها أن يطلب ولا يستعجل الإجابة . وفي حديث ضعيف « اطلبوا الحوائج بعزة النفس ، فإن الأمور تجري بالمقادير » . ومن حالات الوحي أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس : وهي أشد الأحوال عليه صلى اللّه عليه وسلم : أي لما قيل إنه كان يأتيه في هذه الحالة بالوعيد والنذارة . أقول : روى الشيخان عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها « أن الحارث بن هشام رضي اللّه تعالى عنه ، وهو أخو أبي جهل لأبويه ، وكان يضرب به المثل في السؤدد حتى قال الشاعر : أحسبت أن أباك حين تسبني * في المجد كان الحارث بن هشام أولى قريش بالمكارم والندى * في الجاهلية كان والإسلام أسلم يوم الفتح ، وسيأتي أنه استجار في ذلك اليوم بأم هانئ أخت علي بن أبي طالب وأراد عليّ قتله ، فذكرت ذلك للنبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : « قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ » وحسن إسلامه ، وشهد حنينا ، وكان من المؤلفة كما سيأتي « سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كيف يأتيك الوحي ؟ أي حامله الذي هو جبريل ، قال : أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده عليّ ، فيقصم . بالفاء - أي يقلع عني وقد وعيت ما قال » وفي رواية « يأتيني أحيانا له صلصلة كصلصلة الجرس ، وأحيانا يتمثل لي الملك الذي هو حامل الوحي رجلا » أي يتصور بصورة الرجل . وفي رواية « في صورة الفتي ، فيكلمني فأعي ما يقول » وروي أنه في الحالة الثانية ينفلت منه ما يعيه بخلاف الحالة الأولى .