الحلبي

341

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

واحتجوا بأن أول ما أكرمه اللّه تعالى بنبوته أنزل عليه القرآن . وأجيب بأن المراد بنزول القرآن في رمضان نزوله جملة واحدة في ليلة القدر إلى بيت العزة في سماء الدنيا ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « فجاءني وأنا نائم بنمط » وهو ضرب من البسط ، وفي رواية « جاءني وأنا نائم بنمط من ديباج ، فيه كتاب أي كتابة ، فقال اقرأ ، فقلت : ما أقرأ » أي أنا أمي لا أحسن القراءة أي قراءة المكتوب أو مطلقا « فغطني ، أو فغتني » بالتاء بدل من الطاء به : أي غمني بذلك النمط ، بأن جعله على فمه وأنفه قال : « حتى ظننت أنه الموت ، ثم أرسلني فقال اقرأ أي من غير هذا المكتوب ، فقلت : ما ذا أقرأ وما أقول ذلك إلا افتداء منه : أي تخلصا منه أن يعود لي بمثل ما صنع أي إنما استفهمت عما أقرؤه ولم أنف خوفا أن يعود لي بمثل ما صنع عند النفي : أي وفي رواية « فقلت واللّه ما قرأت شيئا قط ، وما أدري شيئا أقرؤه » : أي لأني ما قرأت شيئا فهو من عطف السبب على المسبب قال : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ( 5 ) [ العلق : الآيات 1 - 5 ] فقرأتها فانصرف عني ، وهببت » أي استيقظت « من نومي فكأنما كتب في قلبي كتابا » . أقول : أي استقر ذلك في قلبي وحفظته . ثم لا يخفى أن كلام هذا البعض ، وهو أنه جاءه ليلة السبت وليلة الأحد ، ثم ظهر له يوم الاثنين ، محتمل لأن يكون أتاه بذلك النمط في ليلة السبت وليلة الأحد ، وسحر يوم الاثنين وهو نائم لا يقظة لقوله : « ثم هببت من نومي » . ولا ينافي ذلك قوله ، ثم ظهر له بالرسالة ، أي أعلن له بما يكون سببا للرسالة الذي هو أقرأ الحاصل في اليقظة . وحينئذ يكون تكرر مجيئه هو السبب في استقرار ذلك في قلبه صلى اللّه عليه وسلم . وحينئذ لا يبعده قوله في الليلة الثانية : « ما قرأت شيئا » لأن المراد لم يتقدم لي قراءة قبل مجيئك إلي ، ولا يبعده أيضا قوله : « ما أدري ما أقرأ » لأنه لم يستقر ذلك في قلبه لما علمت أن سبب الاستقرار التكرر ، فلم يستقر ذلك في قلبه صلى اللّه عليه وسلم في الليلة الأولى . وفي سيرة الشامي أن مجيء جبريل عليه السلام له صلى اللّه عليه وسلم بالنمط لم يتكرر ، وأنه كان قبل دخوله صلى اللّه عليه وسلم غار حراء ، وهذا السياق يدل على أنه كان بعده . وفي « سفر السعادة » ما يقتضي أنه جاء بالنمط يقظة في حراء ، ونصه « فبينما هو في بعض الأيام قائم على جبل حراء إذ ظهر له شخص وقال : أبشر يا محمد أنا جبريل وأنت رسول اللّه لهذه الأمة ، ثم أخرج له قطعة نمط من حرير مرصعة بالجواهر ووضعها في يده وقال : اقرأ ، قال واللّه ما أنا بقارئ ولا أدري في هذه الرسالة كتابة » أي لا أعلم ولا أعرف المكتوب فيها ، قال : « فضمني إليه وغطني حتى