الحلبي

342

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

بلغ مني الجهد ، فعل ذلك بي ثلاثا وهو يأمرني بالقراءة ، ثم قال : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ . هذا كلامه فليتأمل ، واللّه أعلم « قال فخرجت » أي من الغار : أي وذلك قبل مجيء جبريل إليه صلى اللّه عليه وسلم باقرأ خلافا لما يقتضيه السياق « حتى إذا كنت في شط من الجبل » أي في جانب منه « سمعت صوتا من السماء يقول : يا محمد أنت رسول اللّه وأنا جبريل ، فوقفت أنظر إليه ، فإذا جبريل على صورة رجل صافّ قدميه » أي وفي رواية « واضعا إحدى رجليه على الأخرى في أفق السماء » أي نواحيها « يقول : يا محمد أنت رسول اللّه وأنا جبريل ، فوقفت أنظر إليه ، فما أتقدم وما أتأخر ، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء ، فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك ، فما زلت واقفا ، ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي ، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي فبلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك ، ثم انصرف عني وانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة : أي في الغار ، فجلست إلى فخذها مضيفا إليها أي مستندا إليها ، فقالت : يا أبا القاسم أين كنت ؟ فو اللّه لقد بعثت رسلي في طلبك فبلغوا مكة ورجعوا إلي » . أقول : وهذا يدل على أن خديجة رضي اللّه تعالى عنها كانت معه بغار حراء ، وهو الموافق لما تقدم من قوله ومعه أهله أي خديجة رضي اللّه تعالى عنها على ما تقدم . وقد يخالف ذلك ما روي أن خديجة رضي اللّه تعالى عنها صنعت طعاما ثم أرسلته إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلم تجده بحراء ، فأرسلت في طلبه إلى بيت أعمامه وأخواله فلم تجده ، فشق ذلك عليها ، فبينما هي كذلك إذا أتاها فحدثها بما رأى وسمع ، فإن هذا يدل على أنها لم تكن معه صلى اللّه عليه وسلم بحراء . وقد يقال : يجوز أن تكون خرجت معه أولا وأرسلت رسلها إليه صلى اللّه عليه وسلم وهي بحراء فلم تجده ، وأن الرسل أخطئوا محل وقوفه صلى اللّه عليه وسلم بالجبل الذي هو حراء ، ثم رجعت إلى مكة وأرسلت رسلها إليه صلى اللّه عليه وسلم بحراء ، لاحتمال عوده إليه ، ثم أرسلت إلى بيت أعمامه وأخواله لما لم تجده صلى اللّه عليه وسلم بحراء ، فإرسالها تكرر مرتين مع اختلاف محلها ، ويكون قوله : « وانصرفت راجعا إلى أهلي » : أي بمكة لا بحراء ، لأنه يجوز أن يكون بلغه رجوع خديجة رضي اللّه تعالى عنها إلى مكة . هذا على مقتضى الجمع . وأما على ظاهر الرواية الأولى يكون رجوعه إلى أهله بحراء كما ذكرنا ، وهو يدل على أن خروجه صلى اللّه عليه وسلم إلى شط الجبل كان من غار حراء كما ذكرنا لا من مكة الذي يدل عليه قول الشمس الشامي « فخرج مرة أخرى إلى حراء ، قال : فخرجت حتى أتيت الشط من الجبل سمعت صوتا » إلى آخره فليتأمل واللّه أعلم .